ليس كل تعبٍ يُرى، وليس كل منهكٍ يشكو. فبين إنسان يقول: «أنا متعب»، وآخر لم. […]
ليس كل تعبٍ يُرى، وليس كل منهكٍ يشكو.
اقرأ أيضا: العنوان المفقود.. ورقة رابعة
فبين إنسان يقول: «أنا متعب»، وآخر لم يعد يقول شيئًا، مسافة قد تبدأ بالإجهاد، ويمرّ في منتصفها الصمت، وقد تنتهي بالإنهاك.
لكننا غالبًا لا ننتبه إلى الإنسان إلا عندما يتوقف، ولا نلتفت إلى الطريق الطويل الذي قطعه وهو يحاول أن يبدو بخير.
فأين نحن بين الإجهاد والإنهاك؟ ومتى يكون الصمت مجرد حاجة إلى الهدوء، ومتى يصبح إشارة إلى أن النفس حملت أكثر مما ينبغي؟
الإجهاد استجابة طبيعية لضغوط الحياة؛ مسؤوليات متلاحقة، وقلق، وعمل، وظروف أسرية، وقرارات مؤجلة، وأيام مزدحمة لا تترك مساحة كافية للراحة. نتعب، يقل تركيزنا، وربما نزداد توترًا، لكننا غالبًا نستعيد طاقتنا عندما يخف الضغط ونمنح أنفسنا فرصة حقيقية للتعافي.
وتوضح الجمعية الأمريكية لعلم النفس أن الضغط قد يكون عابرًا وموقفيًا، لكن استمراره مدة طويلة قد يجعله ضغطًا مزمنًا يؤثر في الصحة النفسية والجسدية، وقد يصاحبه الإرهاق واضطراب النوم وصعوبة التركيز.
المشكلة إذن ليست في أن نتعب، بل في أن يصبح التعب أسلوب حياة.
أن ينتهي يوم ثقيل ليبدأ آخر، وأن نعبر ظرفًا ونحن نستعد لغيره، وأن نؤجل راحتنا لأن هناك دائمًا أمرًا أكثر إلحاحًا.
نقول لأنفسنا: عندما تنتهي هذه الفترة سأرتاح.
لكن بعض الفترات لا تنتهي سريعًا، وبعض المسؤوليات تسلّمنا إلى مسؤوليات أخرى، حتى نعتاد الإجهاد ونكف عن ملاحظة أثره فينا.
وهنا، بين الإجهاد والإنهاك، قد يتسلل الصمت.
في البداية نصمت لأننا نحتاج إلى الهدوء. نقلل الحديث، نبتعد عن الضجيج، ونبحث عن مساحة نعيد فيها ترتيب أفكارنا. وهذا الصمت قد يكون استراحة يحتاجها العقل والنفس.
لكن الصمت يتغير حين يطول الاستنزاف.
نصمت لا لأننا لا نملك ما نقوله، بل لأن في داخلنا أكثر مما نستطيع شرحه.
وحين يسألنا أحدهم: «ما بك؟» قد نعجز عن اختيار بداية للحكاية.
هل نتحدث عن المسؤوليات التي لم تنتهِ، أم عن أشياء كثيرة تجاوزناها دون أن نتعافى منها؟
عندها تصبح كلمة «بخير» أقصر من شرح تعبٍ تراكم طويلًا.
وهذا لا يعني أن الصمت في ذاته علامة على الإنهاك؛ فطبائع الناس مختلفة. لكنه قد يستحق الانتباه حين يكون تغيرًا واضحًا في الإنسان، ويصاحبه فقدان للطاقة والحماس، وثقل في أداء المعتاد، وصعوبة في التركيز، وشعور متزايد بأن أبسط المطالب أصبحت أكبر من القدرة على احتمالها.
فالإنسان لا يصل إلى الإنهاك دائمًا بسبب حدث واحد كبير، بل قد يصل إليه من تراكم أشياء صغيرة لم يجد بينها فرصة كافية ليستعيد نفسه.
وفي سياق العمل تحديدًا، تصف منظمة الصحة العالمية الاحتراق المهني بأنه ناتج عن ضغط مزمن في مكان العمل لم تتم إدارته بنجاح، ويرتبط باستنزاف الطاقة، وازدياد المسافة النفسية عن العمل، وتراجع الشعور بالكفاءة المهنية.
وهنا يظهر الفارق الأعمق:
المُجهَد يعرف غالبًا أنه يحتاج إلى الراحة، أما المُنهَك فقد يصل إلى مرحلة لا يعرف فيها ما الذي يمكن أن يعيد إليه طاقته.
وبين الحالتين قد يقف الصمت شاهدًا على رحلة لم يرها أحد.
ولعل ما يزيد الأمر قسوة أننا نربط أحيانًا الاحتمال بالقوة، والشكوى بالضعف، فنواصل حمل ما يثقلنا ونردد: أستطيع المزيد.
لكن السؤال الذي يستحق أن نسأله لأنفسنا ليس:
كم أستطيع أن أتحمل؟
بل:
لماذا أنتظر حتى أصل إلى آخر قدرتي على الاحتمال؟
فالإنسان لا يحتاج إلى الانهيار حتى يستحق الراحة، ولا إلى العجز حتى يطلب المساندة.
اقرأ أيضا: المرأة عدوة المرأة
وقد قيل:
ولابدَّ من شكوى إلى ذي مروءةٍ
يواسيك أو يسليك أو يتوجّعُ
فالحديث عن التعب ليس شكوى مذمومة بالضرورة، كما أن الصمت ليس بطولة دائمة.
هناك صمت يمنحنا السكينة، وصمت نخفي خلفه ما أثقلنا. وهناك بوح يستنزفنا، وبوح آخر يخفف عنا لأننا اخترنا له الشخص والوقت والمكان المناسب.
لذلك علينا أن نتعلم الإصغاء إلى أنفسنا قبل أن تضطر إلى رفع صوتها بالتعب.
أن نلاحظ حين تصبح الأشياء التي كانت بسيطة ثقيلة، وحين نفقد متعة ما اعتدنا أن نحبه، وحين يصبح التواصل مجهدًا، وحين نبحث عن العزلة لا رغبة في الابتعاد عن الناس، بل لأننا لم نعد نملك ما يكفي من الطاقة للحضور معهم.
عندها لا يكون السؤال:
هل أستطيع الاستمرار؟
بل:
بأي ثمن أستمر؟
همسة أمل
بين الإجهاد والإنهاك مسافة لا تُقاس بالأيام، بل بمقدار ما استُنزف منا دون أن نستعيده.
وفي تلك المسافة قد يأتي الصمت؛ مرةً استراحة، ومرةً ستارًا يخفي وراءه تعبًا لا يعرف صاحبه كيف يشرحه.
لذلك لا تنتظر حتى تتحول عبارة «أنا متعب» إلى صمت، ولا حتى يصبح الصمت انطفاءً.
استرح حين تحتاج إلى الراحة، وتحدث حين يصبح الصمت أثقل من الكلام، واسمح لنفسك بطلب المساندة قبل أن تبلغ آخر طاقتك.
فالعناية بالنفس لا تبدأ عندما نعجز عن السير، بل حين ننتبه إلى أننا نسير منذ زمن طويل… دون أن نستريح…
اقرأ أيضا: صانع محتوى إسباني يوثق لحظة وقوع زلزال أثناء بث مباشر .. فيديو
