لا أعرف كم مضى من الليل… فالوقت هنا لم يكن يُقاس بالساعات. كنت أعرف.
اقرأ أيضا: المرأة عدوة المرأة
لا أعرف كم مضى من الليل…
فالوقت هنا لم يكن يُقاس بالساعات.
كنت أعرف أنه يمضي من عدد المرات التي عاد فيها إليّ، ومن الأوراق التي تبدّلت أمامي، ومن تلك الوقفات التي كان الصمت فيها أكثر حضورًا من كل شيء.
كان أكثرهم عودةً إليّ…
يأتي قليلًا، ثم يغادر.
ولا يطول غيابه قبل أن يعود.
لم يسألني يومًا عمّا بقي…
ولم أسأله عمّا أخذ.
⸻
أما الأوراق…
فكانت تبدأ متشابهة؛ بيضاء، هادئة، لا تقول شيئًا.
ثم لا تلبث أن تختلف.
واحدةٌ تمتلئ سريعًا، وأخرى يتوقف عندها طويلًا، وثالثة تبدأ ثم تُترك.
وعرفت أوراقًا لم يُكتب لها البقاء؛ تمزقت، وتناثرت أجزاؤها، وبقيت أحرفٌ متفرقة كأنها لم تعد تعرف إلى أي جملة كانت تنتمي.
كنت قريبًا بما يكفي لأشهد كيف تبدأ الأشياء…
وبعيدًا بما يكفي كي لا أعرف معناها.
⸻
ومع تقدم الليل…
أصبحت اليد أبطأ، والصمت أطول.
وفي إحدى المرات…
سقطت نقطة.
لم تصبح حرفًا، ولا جزءًا من كلمة.
بقيت وحدها قرب سطرٍ لم يكتمل.
توقفت اليد قليلًا، ثم عادت.
امتد السطر، وجاء بعده آخر، ومرّت الكلمات قرب تلك النقطة…
لكنها بقيت خارج كل ما كُتب.
ثم سقطت أخرى.
هذه المرة لم أعرف من أين جاءت.
نقطتان على الورقة نفسها…
لا تنتميان إلى كلمة،
ولا أعرف إن كانتا قد وصلتا إليها بالطريق نفسه.
⸻
وعاد إليّ ذلك الذي اعتاد العودة.
كان كلما عاد إليّ…
يغادر وفيه شيءٌ أكثر،
وأبقى أنا
وفيَّ شيءٌ أقل.
ولم أفهم ذلك يومها.
لكنني عرفت لاحقًا أن بعض الأشياء لا يبقى أثرها فيها…
بل فيما تمنحه.
⸻
اقترب آخر الليل.
عرفته من اليد؛ صارت أكثر تعبًا.
ومن الصمت؛ صار أطول.
أما الورقة، فكانت قد امتلأت إلا من موضعٍ صغير قرب نهايتها.
توقفت اليد عنده طويلًا.
عاد إليّ مرةً أخرى…
ثم عاد إليها.
كنت أظن أن سطرًا أخيرًا سيأتي.
لكنه لم يأتِ.
بقي الفراغ.
وبقيت النقطتان.
وبقيت كلماتٌ كثيرة لا أعرف منها شيئًا.
⸻
ثم عادت اليد وأخذت الورقة.
توقفت عند النقطتين لحظةً…
أو هكذا خُيّل إليّ.
ثم غابت.
لم أعرف أين ذهبت، ولا لمن كانت، ولا ماذا حملت معها.
كنت شاهدًا على كل ما سبقها…
لكنني لم أكن شاهدًا على ما جاء بعدها.
⸻
وجاءت أوراقٌ أخرى.
وكان ذلك الزائر يعود…
فيأخذ،
وأقلُّ أنا.
حتى فهمت أن النقص ليس دائمًا فقدًا.
فقد يكون الشيء أقل مما كان…
اقرأ أيضا: صانع محتوى إسباني يوثق لحظة وقوع زلزال أثناء بث مباشر .. فيديو
لأن شيئًا منه أصبح في مكانٍ آخر.
لكنني لم أنسَ تلك الورقة.
ولا النقطتين اللتين لم تصبحا حرفين.
ربما لأن الكلمات كانت تعرف لماذا وُجدت…
أما هما،
فلم أعرف لهما سببًا.
⸻
ومرّت الليالي…
ولم أقرأ يومًا ما كُتب أمامي.
ولم أعرف إلى من ذهبت الأوراق.
كنت الأقرب إلى كل ما قيل…
ومع ذلك،
لم أعرف يومًا ماذا قالوا.
ربما تلك حكاية بعض الشهود.
لا يحتاجون إلى الكلام كي يكونوا جزءًا مما حدث.
يكفي أنهم كانوا هناك…
حين بدأت الأشياء،
وحين توقفت،
وحين ترك بعضها أثرًا لم يُمحَ.
⸻
وكان الخارج قد بدأ يتغير.
انتهت تلك الليلة…
وبقيت أنا في مكاني،
أقلَّ مما كنت حين بدأت.
لكن شيئًا مني…
كان قد غادر قبلي.
في أوراقٍ لا أعرف أين انتهت،
وفي كلماتٍ لم أعرف معناها،
وفي نقطتين صغيرتين…
لم تكونا عنوانًا،
ومع ذلك…
كانتا آخر ما بقي
من حكايةٍ
لم أعرف يومًا
إلى من كانت تُكتب.
اقرأ أيضا: ترشيد تطرح 23 وظيفة شاغرة
