في الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس المؤتمر الشعبي العام، لا نقف أمام ذكرى عابرة في روزنامة العمل السياسي اليمني، ولا أمام مناسبة حزبية تُقال فيها الكلمات ثم تنتهي بانتهاء الاحتفال، وإنما نقف أمام أربعة وأربعين عامًا من الحضور في ذاكرة اليمن السياسية والوطنية، وأمام مرحلة تاريخية بكل ما حملته من تحولات وصراعات وتحديات وانتصارات وانكسارات. وهي ذكرى تفرض علينا أن نستعيد المعنى الحقيقي للعمل الوطني، وأن نسأل أنفسنا: ماذا قدمنا لليمن؟ وماذا يجب أن نقدم له اليوم؟ وفي أي اتجاه ينبغي أن تمضي القوى الوطنية في هذه اللحظة الفارقة من تاريخ البلاد؟ فاليمن الذي عرفته الأجيال دولة واحدة، وجمهورية راسخة، ووطنًا جامعًا لأبنائه، يواجه اليوم أخطر مراحل التمزق والاستنزاف، ويقف عند مفترق طرق لا يحتمل المزيد من المساومات، ولا يسمح باستمرار التنازع على هامش قضية أكبر من الجميع، وهي قضية استعادة الدولة، وإنقاذ الجمهورية، وحماية هوية اليمن ووحدته وسيادته.
ومن هنا، فإن ذكرى تأسيس المؤتمر الشعبي العام تأتي هذا العام في ظرف استثنائي يجعلها مناسبة لإعادة قراءة الدور الوطني للمؤتمر، واستحضار مسؤولياته التاريخية تجاه وطن أنهكته الحرب والانقسام، وتطلعت أجياله إلى دولة عادلة مستقرة تتسع لجميع أبنائها. وقد كان المؤتمر الشعبي العام، على امتداد مسيرته، أحد أبرز مكونات الحياة السياسية اليمنية، وصاحب تجربة واسعة في مؤسسات الدولة والمجتمع، وظل حضوره متصلًا بمراحل متعددة من تاريخ اليمن الحديث. ولذلك، فإن مسؤوليته اليوم لا تُقاس فقط بحجمه السياسي، وإنما بقدرته على استيعاب اللحظة الوطنية الجديدة، والإسهام في إعادة بناء جسور الثقة بين اليمنيين، والانتقال من مربع التنافس على السلطة إلى مربع التكاتف من أجل استعادة الدولة وإنقاذ الوطن. وفي هذه المرحلة التي تتقدم فيها المخاطر على كل الحسابات، يصبح من العبث أن يظل اليمنيون أسرى لخلافات الماضي، وأن تستمر الخصومات الحزبية في استنزاف ما تبقى من طاقة وطنية، بينما يواجه الوطن مشروعًا انقلابيًا يسعى إلى فرض واقع بالقوة وإلغاء الدولة ومصادرة القرار الوطني.
اقرأ أيضا: سقوط حامل اللقب وتوهج أهلاوي.. ماذا حدث في ليلة عودة دوري جوي؟
ومن هنا، فإن الواجب الوطني والأخلاقي يفرض علينا جميعًا أن نرتقي فوق خلافاتنا، وأن نوحد الصف، وأن نضع اليمن أولًا، وأن ندرك أن تحرير العاصمة صنعاء واستعادة مؤسسات الدولة ليست مهمة فصيل أو حزب أو منطقة، وإنما مسؤولية وطنية جامعة تتطلب اصطفافًا سياسيًا وشعبيًا وعسكريًا وقبليًا واسعًا، وتلاحمًا وطنيًا صلبًا لا تهزه الحسابات الضيقة، ولا تعصف به الخلافات الثانوية.
وفي هذه الملحمة الوطنية، كانت مأرب واحدة من أوضح صور الصمود اليمني وأكثرها دلالة على معنى التلاحم الوطني. فقد كان مؤتمر مأرب سباقًا إلى إعلان موقفه الرافض لانقلاب مليشيا الحوثي منذ الوهلة الأولى، ولم ينتظر تبدل موازين القوى، ولم يترقب نتائج المعركة، بل اتخذ موقفه انطلاقًا من قناعة وطنية واضحة بأن الانقلاب على الدولة هو انقلاب على الجمهورية وعلى مستقبل اليمن. وقد وقف المؤتمر الشعبي العام في مأرب، بقيادة الشيخ عبدالواحد القبلي، رئيس فرع المؤتمر الشعبي العام بالمحافظة، ومعه قيادات وأعضاء وأنصار المؤتمر، موقفًا وطنيًا مشرفًا في معركة الدفاع عن مأرب والجمهورية والدولة. وكان ذلك الموقف تعبيرًا عن وعي مبكر بخطورة المشروع الانقلابي، وأهمية الوقوف في وجهه قبل أن يستفحل خطره ويتحول إلى واقع دائم. وقد أثبت مؤتمر مأرب أن الحزب حين يضع الوطن فوق الحسابات السياسية يصبح شريكًا حقيقيًا في صناعة الموقف الوطني، وأن الانتماء الحزبي لا يمكن أن يكون بديلًا عن الانتماء إلى اليمن. كما أثبتت مأرب بأبنائها وجيشها وأمنها وقبائلها أن الجمهورية ليست فكرة مجردة، وإنما إرادة حية قادرة على الدفاع عن نفسها، وأن صمود الجيش والأمن والقبائل كان ولا يزال أحد أعمدة حماية المحافظة وإفشال محاولات إسقاطها. فقد وقف الرجال في المتارس، ووقف السياسيون في مواقع المسؤولية، ووقفت القبائل إلى جانب الدولة في واحدة من أكثر الصفحات إشراقًا في تاريخ المقاومة الوطنية ضد الانقلاب. وإننا حين نشكر الجيش والأمن والقبائل على صمودهم وتضحياتهم، فإننا لا نؤدي واجبًا خطابيًا، وإنما نستحضر تضحيات حقيقية صنعت فارقًا في مسار المعركة، وحمت مأرب، ومنعت مشروع الانقلاب من تحقيق أهدافه في واحدة من أهم بوابات الجمهورية. واليوم، ونحن نعيش هذه الذكرى، فإن الرسالة الأهم ليست أن نستعيد خلافات الأمس، ولا أن نعيد إنتاج الصراع داخل الصف الوطني، وإنما أن نفتح صفحة جديدة عنوانها وحدة الصف والتلاحم الوطني وتغليب المصلحة العليا لليمن. فنحن في مرحلة تقتضي أن ننسى الخلافات، وأن نضع الخصومات جانبًا، وأن ندرك أن الوطن لم يعد يحتمل المزيد من التشرذم، وأن اليمنيين جميعًا يقفون أمام مسؤولية تاريخية تتطلب منهم أن يلتقوا عند الثوابت الكبرى، وأن يجعلوا استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب وتحرير صنعاء هدفًا أعلى من كل الاعتبارات الحزبية والمناطقية والشخصية. فحين يكون الوطن مهددًا تصبح الخلافات الصغيرة ترفًا لا يليق بحجم التضحيات، وحين تكون الدولة مختطفة يصبح الواجب الأول هو استعادتها، وحين تكون الجمهورية في مواجهة مشروع سلالي مسلح، فإن كل القوى الوطنية مطالبة بأن تتقدم خطوة نحو بعضها بعضًا، لا أن تتراجع خطوات نحو مزيد من الانقسام. والمؤتمر الشعبي العام، بما يمتلكه من إرث سياسي وتجربة تنظيمية وامتداد جماهيري، أمامه اليوم فرصة تاريخية ليؤدي دورًا أكبر في مشروع التوافق الوطني، وليكون جسرًا بين اليمنيين ومنصة للمصالحة الوطنية وقوة سياسية داعمة لاستعادة مؤسسات الدولة وبناء اليمن الذي يتسع للجميع. فالمؤتمر لا يستمد قيمته من الماضي وحده، وإنما من قدرته على الحضور في المستقبل، ومن تحويل تجربته الطويلة إلى قوة دفع نحو الاستقرار والسلام والدولة والجمهورية.
اقرأ أيضا: مسئولو المصرى : لم تصل للنادى عروض رسمية لضم عبد الرحيم دغموم
في هذه الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس المؤتمر الشعبي العام، نقول إن الوفاء الحقيقي لهذه المناسبة لا يكون برفع الشعارات وحدها، وإنما بالعمل من أجل اليمن، وبالموقف المسؤول، وبجمع الكلمة وتوحيد الصف، وبمد جسور التواصل بين مختلف القوى الوطنية؛ لأن التاريخ لا يكرم الأحزاب التي تعيش على أمجاد الماضي، وإنما يكرمها حين تكون حاضرة في لحظات الخطر، وحين تنحاز إلى الوطن عندما تصبح الكلفة باهظة، وحين تجعل مصلحة اليمن فوق مصالحها الضيقة. وستبقى مأرب شاهدة على أن الموقف الوطني الصادق يصنع التاريخ، وأن الذين وقفوا في الصف الأول دفاعًا عن الجمهورية سيظلون جزءًا من ذاكرة اليمن الحية. وسيظل موقف مؤتمر مأرب، بقيادة الشيخ عبدالواحد القبلي وكل قياداته وأعضائه وأنصاره، موقفًا يستحق التقدير؛ لأنه جاء في لحظة اختبار حقيقية، حين كان الوطن بحاجة إلى رجال يثبتون، لا إلى مواقف تتبدل. ومع هذه الذكرى، فإننا لا نحتفي بالمؤتمر الشعبي العام باعتباره حزبًا فحسب، وإنما نحتفي بمحطة من محطات التاريخ السياسي اليمني، ونستحضر منها ما يمكن أن يعزز وحدة الصف الوطني ويدفع باتجاه المستقبل. ونقول لكل اليمنيين إن خلافاتنا، مهما كانت عميقة، لا ينبغي أن تكون أعمق من انتمائنا للوطن، وإن جراحنا، مهما كانت مؤلمة، لا ينبغي أن تمنعنا من الالتقاء حول قضية اليمن الكبرى، وإن هذه المرحلة ليست مرحلة تصفية الحسابات، وإنما مرحلة استعادة الدولة، وليست مرحلة توزيع الاتهامات، وإنما مرحلة تحمل المسؤولية، وليست مرحلة الانكفاء على الذات، وإنما مرحلة مد الأيدي إلى بعضنا بعضًا والتقدم نحو هدف واحد هو اليمن.
اليوم، يقف المؤتمر الشعبي العام أمام ذكرى تأسيسه الرابعة والأربعين، وهي ذكرى تحمل في طياتها مجد التجربة وثقل المسؤولية وأمل المستقبل. وفي هذه المناسبة نقول إن أعظم احتفاء بالمؤتمر هو أن يظل وفيًّا لليمن، وأن يكون صوته في مقدمة الأصوات الداعية إلى وحدة الصف، وأن يكون حضوره في مقدمة الحضور المدافع عن الجمهورية والدولة، وأن تكون تجربته السياسية رصيدًا للمصالحة الوطنية لا وقودًا للخلاف، وأن يكون أبناؤه في كل محافظة سندًا لكل جهد وطني يستهدف استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب، وفي مقدمتهم مؤتمر مأرب الذي سجل موقفه مبكرًا وظل وفيًّا لموقفه في واحدة من أصعب معارك اليمن.
في هذه الذكرى، لا نريد أن تكون الذكرى مجرد احتفال بالماضي، بل نريدها عهدًا للمستقبل، وصرخة وطنية في وجه الانقسام، ورسالة واضحة بأن اليمن يحتاج اليوم إلى رجال يجمعون ولا يفرقون، ويصالحون ولا ينتقمون، ويبنون ولا يهدمون. وأن المؤتمر الشعبي العام، الذي تأسس ليكون إطارًا جامعًا، أمامه اليوم امتحان تاريخي جديد يتمثل في أن يكون جزءًا من الجبهة الوطنية العريضة التي ستعيد لليمن دولته، وللجمهورية قوتها، ولصنعاء حريتها، ولليمنيين حقهم في وطن آمن مستقر كريم. وتلك هي الذكرى التي تستحق أن نحتفي بها، وذلك هو الوفاء الذي يليق بأربعة وأربعين عامًا من عمر المؤتمر، وذلك هو العهد الذي ينبغي أن يجمعنا جميعًا: أن اليمن أولًا، وأن الجمهورية أولًا، وأن الدولة أولًا، وأن صنعاء ستعود، وأن راية اليمن ستبقى أعلى من كل راية، وأن ما جمع اليمنيين طوال تاريخهم سيظل أقوى من كل مشروع يستهدف تفريقهم، وسيكتب اليمنيون بإرادتهم الحرة صفحة جديدة من تاريخهم عنوانها الوحدة والتلاحم واستعادة الدولة والانتصار لليمن.
