مئات الخيام نُصبت في صحراء الريان بمحافظة الجوف شمالي اليمن، وتزاحمت أرتال السيارات المحمّلة بالسلاح والعتاد، في مشهد يصفه مشايخ قبليون بأنه يزداد توترا يوما بعد آخر. الأوضاع هناك، بحسب مصادر قبلية تحدثت للجزيرة نت، وصلت إلى حد وصفوه بأنها "تغلي وتوشك على الانفجار".
وانقسمت الآراء داخل ما يعرف بـ"مطرح الكرامة" بين مشايخ قبائل يدفعون باتجاه إعلان الحرب فورا على جماعة أنصار الله الحوثي، وآخرين يفضلون التأني ومواصلة التحشيد القبلي المسلح، في وقت تتواصل فيه وفود القبائل من مختلف المحافظات اليمنية نحو الجوف.
اقرأ أيضا: تصعيد يمني إيراني بعد هبوط طائرة في صنعاء ومجلس الأمن يبحث الأزمة
يعود جذور هذا الحشد إلى مطلع مايو الماضي، حين لجأت سيدة عرّفت نفسها باسم ميرا، وقالت إنها ابنة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، إلى الشيخ حمد بن راشد بن فدغم الحزمي في منزله بالجوف، متهمة قياديين حوثيين بالاستيلاء على منزلها في صنعاء ونهب ممتلكاتها. وقاد الشيخ بن فدغم وقتها وساطة قبلية لاستعادة ملكيتها، قبل أن تعتقل جماعة الحوثي الرجل وربيعته معا في طريق عودتهما.
أفرجت الجماعة عن الشيخ بن فدغم بعد نحو 50 يوما من الاحتجاز، في حين بقيت ميرا رهن الاعتقال. وبعد الإفراج عنه، أعلن بن فدغم من مطارح الريان ما سماه "نكف الكرامة" في 24 يونيو الماضي، رافعا شعار قضية عرض وشرف قبلي، ومطالبا بالإفراج عنها وإعادة ممتلكاتها.
منذ ذلك النداء توافدت على مطرح الريان عشرات الوفود من عدة محافظات يمنية، في واحدة من أوسع الاستجابات القبلية العابرة للمناطق والانقسامات السياسية التي شهدتها البلاد منذ اندلاع الحرب عام 2014.
القبائل تربط النكف بعادة موروثة

يروي الشيخ زيد الشليف، رئيس وفد قبائل نهم في مطرح الكرامة، أن قبائل نهم وسائر قبائل اليمن لبّت نداء بن فدغم نصرة لربيعته ميرا، منسجمة مع عادة قبلية راسخة تقضي بتلبية النكف ونصرة المظلوم أينما كان.
وأوضح الشليف للجزيرة نت أن القبائل هبّت من كل أنحاء اليمن وقصدت مطرح الكرامة في صحراء الريان استجابة لنكف بن فدغم، ونصرة لمن يعتبرونها مظلومة، وحفاظا على الحمية والشرف، ووقوفا في وجه من يصفهم بمنتهكي الحقوق والحرمات والأعراض.
ولا يمكن فهم زخم هذه الاستجابة بمعزل عن الرمزية العميقة للنكف القبلي في الموروث اليمني، فهو نفير عام وتعبئة جماعية تُستدعى لنصرة المظلوم أو مواجهة حدث استثنائي، ويستند إلى طقوس رمزية أبرزها كسر جفل الجنبية وإلقاء الشال أمام الحاضرين، وهو ما أقدم عليه بن فدغم إعلانا بتعرضه لظلم جسيم وطلبا رسميا للنصرة، وهو ما يضع القبائل أمام التزام أخلاقي بالاستجابة لهذا النفير.
ونفى الشليف اتهامات الحوثيين للقبائل المحتشدة بتنفيذ أجندات خارجية، معتبرا أن الطريق لإنهاء الأزمة بسيط ومباشر يتمثل في استجابة الحوثي لمطالب القبائل وإطلاق سراح ربيعة الشيخ بن فدغم، لتعود القبائل عندها إلى مناطقها ويعود المشايخ إلى منازلهم.
اقرأ أيضا: وفاة الأمير الوالد حمد بن خليفة.. حداد رسمي في دول عربية وآسيوية
غير أن هذا الطريق ما زال مغلقا بحسب الشليف، الذي قال إن الحوثيين يرفضون أي حل ويصرّون على عدم الإفراج عنها، بعدما أفشلوا على حد وصفه كل الوساطات القبلية التي طُرحت للخروج من الأزمة. ولا يرى الشليف أمام القبائل اليمنية اليوم سوى المضي في خياراتها، وترتيب صفوفها، وتوحيد كلمتها، والتشاور فيما بينها لاتخاذ ما تراه مناسبا لاستعادة ربيعة بن فدغم وقبيلة دهم.
الحوثي ينفي وجود حشد قبلي حقيقي
في المقابل، تقدم جماعة الحوثي سردية مغايرة تماما لما يجري في الجوف. عضو المكتب السياسي للجماعة حزام الأسد نفى للجزيرة نت وجود أي نكف قبلي حقيقي من الأساس، معتبرا أن تحرك القبائل ليس أكثر من أداة تحركها أجندة خارجية بهدف زعزعة الاستقرار في أطراف صحراء الجوف.
وذهب الأسد أبعد من ذلك في التشكيك بهوية ميرا نفسها، مؤكدا أن القضاء اليمني في مناطق سيطرة جماعة الحوثي يتعامل مع القضية باعتبار اسمها الحقيقي سمية الزبيري، لا ميرا صدام حسين كما تعرّف نفسها. ولم يتضمن النص المرسل تفاصيل إضافية عن موقف القضاء أو رد مستقل يؤكد أو ينفي أي من الروايتين.
وفشلت عدة وساطات قبلية وإقليمية حاولت انتزاع تسوية بين القبائل المحتشدة وجماعة الحوثي، التي ترفض تسليم ميرا حتى الآن. وتربط الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا ما يجري في الجوف بمسار إقليمي أوسع من التصعيد المتشابك بين صنعاء والرياض وطهران، من دون أن يتضمن النص المرسل تفاصيل إضافية حول طبيعة هذا الربط.
ويرى محللون، في تصريحات سابقة للجزيرة نت، أن اتساع نطاق المشاركة القبلية يعكس أن الإرادة الشعبية ما تزال حاضرة، وأن التحدي الحقيقي لا يكمن في استعداد المجتمع للتحرك، بل في غياب قيادة قادرة على تحويل هذه الطاقة إلى مشروع منظم.
اقرأ أيضا: القوة المشتركة تستعيد بئر أم سليبة وتقترب من الجنينة بغرب دارفور
