لم تكن مجرد ورقة ممزقة من دفتر ملاحظات، ولم تكن مجرد كلمات مكتوبة بخط يد مرتبك، كانت تلك الرسالة التي أعلن فيها ليونيل ميسي اعتزاله الدولي بمثابة جرس إنذار مرعب يدق في أروقة عقلي.
اقرأ أيضا: عفوًا، لا يُمكن معاقبة الهلال على أي هدر مالي.. واسألوا من ألغى هذا القانون!
حين قرأت عبارته التي صرح فيها قائلًا: “لقد استنزفت كل طاقتي ولم يعد لدي ما أقدمه”، شعرت بانقباض مفاجئ في صدري.
هذا الاعتزال الجزئي فتح بابًا كنت أهرب من مواجهته دائمًا، باب النهاية الحتمية، والآن، وأكثر من أي وقت مضى، أشعر برعب حقيقي من اليوم الذي سيعلن فيه اعتزاله كرة القدم نهائيًا وبشكل كامل.
كمشجع عاش تفاصيل هذه الرحلة منذ بدايتها الأولى، لم يكن ميسي بالنسبة لي يومًا مجرد لاعب أشاهده في هربًا من ضجيج الدراسة.
أتذكر جيدًا ذلك الفتى النحيل بقميص برشلونة، بشعره الطويل المنسدل ورقم 30 ثم 19 على ظهره، كيف بدأ ينثر سحرًا خالصًا في الملاعب الإسبانية والأوروبية.
لقد كبرنا معًا، وتشكل وعيي الكروي على إيقاع مراوغاته، وارتبط مزاجي الشخصية ومشاعري بنتائج مبارياته.
كان هو الثابت الوحيد في عالم كروي دائم التغير، الركيزة التي أستند إليها كلما قست علينا تقلبات الحياة والساحرة المستديرة.
لقد عشت معه وبسببه كل الانكسارات الممكنة قبل أن أتذوق حلاوة الانتصارات على المستوى الدولي.
بكينا معًا في ليالي روما وليفربول المظلمة، وشعرنا بالمرارة القاتلة في نهائي ماراكانا 2014، وسقوط سانتياجو في 2015، وليلة نيوجيرسي الحزينة في 2016.
لكننا في المقابل عانقنا السماء في ليالي ويمبلي وبرلين، وصرخنا فرحًا بجنون لا يُصدق في ليلة لوسيل التاريخية بقطر.
كل سقوط كان يتبعه نهوض أسطوري، وكل دمعة حزن كانت تمهد لدموع فرح هستيرية، كان يمنحني دائمًا أملًا متجددًا ويقينًا راسخًا بأن كرة القدم لا تزال قادرة على أن تكون عادلة في النهاية.
اقرأ أيضا: “كلام لا يليق بالأمير وليد بن طلال” .. طلب استعارة مالك الهلال يشعل خلافًا إعلاميًا

لكن هذه المرة، الوضع يبدو مختلفًا تمامًا، رسالته الأخيرة لم تكن مجرد وداع لقميص منتخب الأرجنتين، بل كانت تلميحًا قاسيًا بأن خزان الوقود يوشك على النفاذ كليًا.
ورغم أن القدر ساعدني على التأقلم على غيابه منذ سنوات عن برشلونة، إلا أنني كنت لا أفوت هدف أو صناعة أو كرة بديعة يقدمها في باريس سان جيرمان أو إنتر ميامي.
الرعب الذي أعيشه الآن ينبع من سؤال واحد يطاردني بلا هوادة: كيف ستبدو كرة القدم في اليوم التالي لاعتزاله النهائي؟ كيف سأجلس أمام الشاشة لمشاهدة مباراة أدرك يقينًا أن ميسي لن يظهر فيها أبدًا، لا أساسيًا ولا بديلًا؟ كيف سيمر شهر واثنين وثلاثة وسنة وعقد وعمر كامل دون أن أشاهد هدفًا جديدًا له أو تمريرة سحرية أو حتى مراوغة عبقرية؟ إنها فكرة موحشة حقًا، فكرة تجعل اللعبة التي أحببتها وتعلقت بها تبدو باهتة، باردة، وخالية تمامًا من المعنى.
لطالما خشيت هذه اللحظة، وكنت أتعمد تجاهلها وتأجيل التفكير فيها، أمني النفس بأن سحره سيستمر إلى الأبد.
لكن رسالته المكتوبة بخط اليد وضعتني وجهًا لوجه أمام الحقيقة المرة، ليونيل ميسي يستعد للرحيل الأخير، وكل دقيقة يقضيها الآن على العشب الأخضر هي عد تنازلي لنهاية حقبة لن تتكرر أبدًا.
أنا خائف، ليس لأننا سنفقد لاعبًا عظيمًا، بل لأنني سأفقد الجزء الأكثر سحرًا من طفولتي وشبابي الذي ارتبط بوجوده ارتباطًا وثيقًا.
اقرأ أيضا: تفوق على بيليه والظاهرة: ليست مبالغة عاطفية.. ليونيل ميسي صاحب المسيرة الدولية الأفضل على الإطلاق!
