يقال إن الثقة في العمل الخيري تُشترى بصعوبة إن اقتصرت على حملة عابرة، وتُبنى حين يعرف المتبرع إلى أين تذهب صدقته ومن يحاسب عليها بعد أن تغادر حسابه، ولهذا جاء صدور أمرين ملكيين في الرياض يوم أمس بتحويل المنصة الوطنية للعمل الخيري «إحسان» إلى مؤسسة مستقلة غير هادفة للربح باسم «مؤسسة إحسان للعمل الخيري» ليعيد ترتيب العلاقة بين الإحسان والحوكمة قبل أن يعيد ترتيب الشعار، بما يعزز العمل الخيري ويربط المتبرعين بالمستفيدين عبر فرص تبرع متنوعة، وتمكين الأفراد والشركات من العطاء، والإسهام بالتنسيق مع الجهات الحكومية والخاصة في رفع كفاءة القطاع غير الربحي، وهو ما يطرح السؤال الذي يهم المواطن يتجاوز صيغة الأمر الملكي إلى ماذا يتغيّر في تجربته غدًا حين يفتح التطبيق أو يحوّل ريالًا؟
صلاحيات أوسع ومرونة أكبر
يتضح أن التحول يبقى نقلًا للكيان من منصة وطنية أنشئت بأمر سامٍ عام 2021م إلى مؤسسة مستقلة غير هادفة للربح تحمل صلاحيات أوسع ومرونة أكبر، وفق ما نص عليه البيان، من غير إغلاق للمنصة ومن غير استحداث لاسم تجاري عابر.
اقرأ أيضا: شركة ساكو للعدد والأدوات تعلن طرح وظيفة شاغرة
ويرتبط هذا الاستقلال بتعزيز الاستدامة والحوكمة ومواكبة المتغيرات، لذا فإن ثقة المتبرع تنتقل من الاطمئنان إلى «منصة تعمل تحت مظلة إنشاء رقمية» إلى الاطمئنان إلى «مؤسسة لها مجلس أمناء ومدة عضوية معلنة». والأهم من ذلك أن الأمر الملكي الثاني كان معنيًا بتشكيل مجلس أمناء المؤسسة برئاسة الدكتور ماجد بن عبدالله القصبي ونيابة معالي المهندس أحمد بن سليمان الراجحي، لمدة 3 سنوات قابلة للتجديد.
الرسالة العملية الأولى للمواطن هنا أن الحوكمة خرجت من خانة الشعار إلى خانة الهيكل؛ فقد ضم المجلس في عضويته الدكتور عبدالله بن شرف الغامدي، ومحافظ الهيئة العامة للأوقاف، والمهندس عبدالرحمن بن إبراهيم بن عبدالرحمن الرويتع، وأديب بن عبدالله بن حمد الزامل، وسمو الأميرة نوف بنت محمد بن عبدالله بن محمد آل عبدالرحمن، والدكتور عبدالرحمن بن عبدالمحسن بن محمد الخلف، وعماد بن عبدالقادر بن عبدالمحسن المهيدب.
وبما أن عضوية محافظ الهيئة العامة للأوقاف وردت بالصفة الوظيفية في الخبر الرسمي، فإن الربط بين العمل الخيري الرقمي ومنظومة الأوقاف أصبح جزءًا من هيكل القرار لا حاشية عليه. وفي المقابل يبقى ما لم يذكره البيان خارج المتن: لا رسوم جديدة، ولا تغيير في آلية الدفع، ولا جدول زمني لإغلاق الحسابات القديمة.
إجابة تبدأ من جذر النشأة
غير أن فهم «ماذا يتغيّر غدًا» يبدأ من جذر النشأة لا من لافتة 2026؛ فقد كُلّفت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» بإنشاء المنصة لتعمل وفق حوكمة قوية ومحكمة تضمن وصول التبرعات إلى مستحقيها في المجالات الاجتماعية والدينية والتعليمية والغذائية والسكنية والصحية.
وبما أن هذه المجالات الستة وردت نصًا في القرار، فإن المتبرع الذي اعتاد توجيه عطائه إلى السكن أو الغذاء أو العلاج يظل داخل النطاق ذاته ما لم يصدر تنظيم لاحق. ومن ثم فإن الاستقلال المؤسسي، كما صيغ في الأمر الملكي، يوسّع قدرة المؤسسة على تحفيز الابتكار وتطوير خدمات منصة «إحسان» ودعم البرامج والخدمات والمنصات غير الربحية المعنية بالتبرعات، وتوحيد الجهود التقنية والفنية للعمل الخيري والتنموي، من غير أن يلغي المنصة أو يستبدل مجالات العطاء المعلنة.
وبناءً على ذلك تكتسب الأرقام المثبتة في البيان صفة حجر الزاوية لأي تفسير خدمي؛ فقد حظيت المنصة على مدى أكثر من 5 سنوات بدعم فئات المجتمع من محسنين وجهات عامة وخاصة، واستقبلت أكثر من 440 مليون عملية تبرع بلغت قيمتها الإجمالية 17 مليار ريال.
لماذا التحول المؤسسي الآن؟
ولهذا تُقرأ هذه الأرقام بوصفها رصيد ثقة تراكميًا يفسر لماذا جاء التحول المؤسسي بعد أعوام التشغيل لا في لحظة التأسيس، لا بوصفها دعاية ختامية. والأهم من ذلك أن البيان يعزو هذا الرصيد إلى ثقة المجتمع بدور المنصة في تمكين القطاع الخيري وحرصهم على بذل الخير في مختلف المجالات، فيبقى أي تعميم خارج هذين الرقمين وهذا العزو خارج حدود المصدر المطلق.
ومن ناحية المتبرع الفرد، يترجم الاستقلال إلى ثلاثة معانٍ وردت في النص من غير زيادة. المعنى الأول صلاحيات أوسع ومرونة أكبر بصفتها مؤسسة مستقلة غير هادفة للربح، بما يعزز استدامتها وحوكمتها.
والمعنى الثاني الإسهام في رفع كفاءة القطاع غير الربحي بالتنسيق مع الجهات الحكومية والخاصة. والمعنى الثالث تعزيز ثقافة العمل الإنساني والتطوع والتبرع والمسؤولية الاجتماعية لدى أفراد المجتمع ومؤسساته.
وبما أن هذه المعاني تشغيلية في ظاهرها، فإنها تهم من يتبرع شهريًا بقدر ما تهم الشركة التي تضع بندًا للمسؤولية الاجتماعية، من غير أي زعم بأن تجربة التطبيق ستتغير في صباح 21 أغسطس.
أما المستفيد، فإن هذا القرار يثبّت غاية «ربط المتبرعين بالمستفيدين من خلال تقديم فرص تبرع متنوعة عبر المؤسسة»، ويذكّر بأن الحوكمة الأصلية صُممت لضمان وصول التبرعات إلى مستحقيها.
ولهذا يبقى أثر التحول على المستفيد مرهونًا بما ستمارسه المؤسسة من صلاحيات أوسع في تطوير الخدمات وتوحيد الجهود التقنية، لا بوعود لم ترد.
وبما أن النص يصف المرحلة الجديدة بأنها نضج مؤسسي يعزز الاستدامة ويوسّع فرص الابتكار ويواصل تمكين القطاع غير الربحي وتعظيم أثره الاجتماعي والاقتصادي بما يواكب النمو المتسارع ويسهم في تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030، فإن القراءة الخدمية المنضبطة تقول إن المستفيد يُنتظر أن يرى أثرًا عبر استمرار القنوات وتنويع الفرص لا عبر استبدال فجائي لآليات الاستحقاق.
وعليه، فإن جواب سؤال الزاوية «لماذا يغيّر الاستقلال القانوني ثقة المتبرع أكثر مما تغيّره الحملة الإعلامية؟» يستقر في بنية الأمرين لا في بلاغتهما؛ فالثقة هنا اسم مجلس معلن، ومدة عضوية 3 سنوات قابلة للتجديد، وكيان مستقل غير هادف للربح، وصلاحيات أوسع مرتبطة بالحوكمة والاستدامة، وأرقام تشغيل تجاوزت 440 مليون عملية و17 مليار ريال على مدى أكثر من 5 سنوات، وجذر إنشاء رقمي عبر «سدايا» منذ 2021م.
والخلاصة أن المواطن المتبرع والمستفيد لا يُطلب منهما اليوم تغيير عادة العطاء، ويُطلب منهما معرفة أن الجهة التي يستأمنانها صارت مؤسسة لها مجلس وأهداف منصوصة، وأن أي تفصيل تشغيلي إضافي يُستقى لاحقًا من المصدر الرسمي ذاته لا من الظن.
