ثمة لحظة في مكة المكرمة والمدينة المنورة لا تُشبه لحظة الفندق ولا لحظة البيت: الحاج يخلع نعليه بعد المشاعر، فيجد جدارًا كان بالأمس شققًا سكنية وقد صار الليلة سقفًا لجماعة لا يعرف بعضهم بعضًا. وبما أن هذه اللحظة تتكرر كل عام على عتبات العمائر لا على أبواب القصور، ضبط وزير السياحة أحمد بن عقيل الخطيب بقراره رقم (594/1448) وتاريخ 29/02/1448هـ، المنشور في الجريدة الرسمية أم القرى اليوم الجمعة، تعليمات نشاط مرفق الضيافة السياحي نوع النزل خلال موسم الحج في المدينتين، كيلا تبقى الاستعارة الموسمية مزاج مالك أو اجتهاد مشغّل. ومن ثم تتحول العمارة القائمة أو المُعدّة إلى إسكان جماعي لا يتجاوز 3 أشهر، بفئتين يفهمهما الحاج قبل أن يفهمهما الجدول، اقتصادية ودرجة أولى، ومرافق مشتركة لغرف النوم ودورات المياه ومواضع الوجبات، تحت إدارة مشغّل مرخّص.
عمارة مستعارة
لا يولد النزل من أرض بيضاء؛ فهو إعادة توظيف مؤقت لمبنى موجود، يُدار موسمًا ثم يُردّ. غير أن الإعادة ليست مفتاحًا يُدار في القفل وحسب؛ فعلى المرخص له الربط المباشر بمنصة الرصد السياحي، والاقتصار في تقديم الخدمة على العقود الموثقة لدى وزارة الحج والعمرة وفق إجراءاتها في الموسم.
اقرأ أيضا: بعد تحويل «إحسان» إلى مؤسسة.. ماذا يتغيّر في تجربة المواطن؟
وبما أن الماء والكهرباء أمانة لا تفصيل صيانة، تُطلب المياه الصالحة للشرب من المصادر الرسمية مع شهادة فحص للخزانات من مختبرات مرخصة قبل بداية الموسم، ويُطلب التيار من المصدر الرسمي المعتمد الشركة السعودية للكهرباء بما يضمن الاستمرار وفق آلية الوزارة.
ومن هنا تُبرم عقود التشغيل والصيانة والنظافة مع جهات مرخصة طوال مدة الترخيص، وتشمل المصاعد والمولدات والواجهات والمرافق الداخلية والتكييف والكهرباء والسباكة والخزانات ومخارج الطوارئ والإنذار والحريق ومكافحة الحشرات وإدارة النفايات، وتُحفظ العقود لتُعرض على الوزارة عند الطلب.
وفي المقابل تُستعاد هيئة المبنى بوصفها مسكن ضيف لا مستودع موسم؛ فقد مُنع تمكين النزلاء من أنشطة إعلامية داخل المرفق من غير التصاريح اللازمة، ومُنع لصق الورق على الواجهة والمدخل وحوائط الاستقبال والمصاعد، ومُنع اتخاذ الصالات والمطابخ والقيو والميزانين والسطح سكنًا أو مخزنًا مع النص على ذلك في مستند الحجز ولوحات تقصر المرور على العاملين لأغراض الخدمة.
ولهذا يُمنع الطبخ داخل المرفق للنزيل والعامل، ويُكتفى بطعام جُهّز خارجًا في موضع معلوم، وتُنهى أعمال الصيانة التي تزعج أو تعيق التسكين قبل وصول النزلاء.
رخصة 90 يومًا
وبما أن الاستعارة مؤقتة بطبيعتها، حدد الوزير أحمد بن عقيل الخطيب سريان ترخيص النزل في المدينتين بـ 90 يومًا غير قابلة للتجديد. ومن ثم ينقلب حساب المالك من موسم مفتوح إلى نافذة تغلق: كشف جاهزية في موعد الوزارة، وشهادات فحص من جهات مرخصة لسلامة المصاعد والمولدات والواجهات والمرافق والتكييف والكهرباء والسباكة والخزانات ومخارج الطوارئ والإنذار والحريق ومكافحة الحشرات وإدارة النفايات.
غير أن الورقة لا تُغلق الملف؛ فقد رُتبت ثلاث طبقات: فحص ترخيص قبل الإصدار، وفحص تشغيل خلال مدة الجاهزية لما لا يظهر في الملفات، وفحص غير معلن خلال التشغيل المؤقت من غير إشعار مسبق بعد استقبال الضيوف وبدء التشغيل الفعلي.
بعد الوصول
وأما حين يسكن الحاج الغرفة، فهناك تُوزن الكرامة الصغيرة التي لا يشتريها شعار التصنيف؛ فقد أُلزم النزل بشبكة لاسلكية في جميع المساحات الداخلية بسرعة لا تقل عن واحد ميغابت في الثانية لكل مستخدم، ويُقاس ذلك بالفحص غير المعلن بعد الاستقبال.
وبما أن الباب أمان قبل أن يكون ديكورًا، يُؤمَّن النزل بموظفين لمراقبة الدخول والخروج طوال اليوم أو بإجراءات أمنية معتمدة.
ولهذا يُحفظ الهواء بين 22 و24 درجة مئوية، ويُعرض جدول مواقيت الصلاة محدثًا يوميًا في المصلى والاستقبال بالعربية والإنجليزية مع جواز الساعات الإلكترونية.
اقرأ أيضا: شركة ساكو للعدد والأدوات تعلن طرح وظيفة شاغرة
والأهم من ذلك أن ماء الشرب معلب ومبرّد على مدار الساعة في كل طابق وفي المناطق المشتركة، في ثلاجات لا تقل عن ثلاجة لكل 50 ضيفًا، مع حظر برّادات المياه. ومن ثم تُعلَّق للضيف معلومة نقل واضحة إلى المشاعر والحرم: جداول، ونقاط تجمّع، وأرقام، فيصير ساكن الغرفة شاهد المعيار قبل أن يطرق المفتش من غير موعد.
فرق الدرجتين
وفي المقابل يسأل الحاج إن تشابه الواي فاي والماء والأمن فلِمَ درجتان. وبما أن التعليمات فرّقت المعيشة لا اللافتة، تلتزم الدرجة الأولى بدورات مياه عامة منفصلة للرجال والنساء على ألا تبعد أكثر من 200 متر عن صالة الطعام أو المصلى، بينما تلتزم الاقتصادية بذلك متى وُفرت الدورات.
ولهذا تشترط الأولى مصلى للرجال والنساء لا تقل مساحته عن عشرة في المئة من عدد الضيوف، وتكتفي الاقتصادية بمناطق صلاة لا تقل عن 5% من الطاقة الاستيعابية، مع إعفاء من يقع بناؤه على بعد أقل من 200 متر من المساجد.
ومن ثم تكون الغرفة المشتركة 15 مترًا مربعًا حدًا أدنى في الأولى و12 في الاقتصادية سوى دورة المياه، و4 أمتار لكل سرير في الفئتين، على ألا تزيد الأسرة على 7 في الأولى و4 في الاقتصادية. غير أن الفرق يبلغ الباب والغسيل: قفل إلكتروني آمن في الأولى، ونظام قفل يحفظ الخصوصية في الاقتصادية، وغسالة مستقلة لكل 50 ضيفًا أو مغسلة متعاقد معها في الأولى، وغسيل ذاتي أو تعاقد مماثل في الاقتصادية.
باب بلا موعد
وعليه لا يُغلق المتن على قرار الوزير أحمد بن عقيل الخطيب وكأنه نهاية حكاية؛ فالموسم أقصر من أن يُصلح فيه خطأٌ بعد فوات المشاعر، والمبنى يُردّ بعد 90 يومًا أما ذكرى السرير فلا تُردّ.
وبين مكة المكرمة والمدينة المنورة يبقى الاختبار صامتًا: هل تصمد إشارة الشبكة عند ازدحام الطابق، وهل يبقى الماء مبردًا بعد منتصف الليل، وهل ينغلق الباب على خصوصية من جاء من عرفات؟ من فتح عمارته ضيافةً فليعلم أن الضيف يصل أولًا، وأن من يجيء بعده قد لا يطرق مرتين.
