موازنة 2027 أمام اختبار الـ200 تريليون.. الرواتب والعجز يضيّقان هامش الإصلاحات!

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

بغداد- أحمد كوكب
تتجه الحكومة إلى إرسال مشروع موازنة 2027 إلى مجلس النواب منتصف تشرين الأول المقبل، مع بدء التحضير للانتقال من موازنة البنود إلى موازنة البرامج والأداء، في وقت تواجه فيه المالية العامة شحا حادا في السيولة وغياب موازنة للعام الجاري، وسط تقديرات اقتصادية تضع حجم الموازنة المقبلة عند نحو 200 تريليون دينار، تستحوذ الرواتب والنفقات التشغيلية على 78‌% منها.
وقال المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، في حديث خاص لـ«المدى»، إن الموعد المحدد لإرسال مشروع قانون موازنة عام 2027 إلى مجلس النواب في تشرين الأول المقبل ما زال قائما وواجب الالتزام، موضحا أن الإطار التشريعي يجعل هذا التوقيت جزءا أصيلا من دورة إعداد الموازنة، إذ تنص المادة (11) من قانون الإدارة المالية الاتحادي رقم (6) لسنة 2019 المعدل على إلزام مجلس الوزراء بمناقشة المشروع وإقراره وتقديمه إلى البرلمان قبل منتصف تشرين الأول من كل عام.
وأوضح صالح أن الحديث عن تشرين الأول يرتبط بمسار قانوني محدد في قانون الإدارة المالية النافذ، مبينا أن السلطة المالية واللجنة المالية النيابية أكدتا جاهزية موازنة 2027 في هذا التوقيت، بما يمهد لإمكانية تقييمها وإقرارها مع بداية السنة المالية الجديدة.
وأضاف أن الأهم على مستوى التخطيط المالي السنوي هو وصول الموازنة إلى البرلمان مكتملة الأركان والفرضيات الاقتصادية، بدءا من الإيرادات والنفقات والعجز، وصولا إلى تحديد مصادر التمويل والبرامج والمشاريع، لافتا إلى حاجة البلاد لاستعادة انتظام دورة الموازنة، وهو ما يعمل عليه البرنامج الحكومي حاليا.
وبين أن إعداد الموازنة العامة الاتحادية لعام 2027 دخل فعليا مساره القانوني والتنفيذي، إذ رسم قانون الإدارة المالية دورة تبدأ بإعداد وزارتي المالية والتخطيط تقرير أولويات السياسة المالية والاستراتيجية، ثم وضع المبادئ التوجيهية وتلقي تقديرات وحدات الإنفاق ومناقشتها، وصولا إلى صياغة النسخة النهائية للمشروع.
وأشار صالح إلى أن الحكومة بدأت تحضيراتها الفعلية لتبني موازنة البرامج والأداء، مع تطوير وزارة المالية آلياتها التنفيذية لهذا المنهج، فيما تظل التحديات متمثلة بارتفاع النفقات الجارية، والاعتماد المفرط على الإيرادات النفطية، وضبط العجز، وتوفير السيولة، وإدارة الدين العام، وتمويل المشاريع الاستثمارية، فضلا عن الالتزامات المالية الناتجة عن الرواتب والعقود والاستحقاقات الوظيفية.
ونبه إلى أن التحول من «موازنة البنود» إلى «موازنة البرامج والأداء» يتطلب وضع أهداف قابلة للقياس، ومؤشرات أداء عملية، وآليات رقابة ومساءلة حقيقية، مؤكدا أن الفرضيات الأساسية تعتمد على تقديرات معتدلة لأسعار النفط والإيرادات الجمركية والضرائب، إلى جانب ترشيد الإنفاق وربط المبالغ المصروفة بتقييم الأداء بعد الصرف.
وشدد صالح على ضرورة التمييز بين العلاوات والترفيعات، بوصفها استحقاقات قانونية نافذة وجهت وزارة المالية باستكمالها في حزيران الماضي، وبين تثبيت العقود الذي يحول التزاما مؤقتا إلى دائم ويحتاج إلى تقدير كلفته وحاجة الملاك الفعلية من السلطتين التنفيذية والتشريعية، مجددا تأكيده أن عدم إقرار موازنة 2026 لم يوقف الإنفاق المالي، مع اعتماد آلية صرف 1/12 شهريا وفق المادة (13) من القانون.
وفي مقابل المسار الحكومي لضبط التوقيتات التشريعية، تبدي اللجنة المالية النيابية قلقا من شح السيولة الحالي، وترى أن استعادة الانضباط المالي تتطلب ضغطا أوسع على المؤسسات لتعظيم الموارد غير النفطية وتحويل الوزارات المستهلكة إلى طاقات منتجة.
وقال عضو اللجنة المالية النيابية، جمال كوجر، في حديث خاص لـ«المدى»، إن الأزمة المالية وشح السيولة بلغا ذروتهما خلال هذه الأشهر نتيجة التأخر المباشر في عائدات مبيعات النفط للأشهر السابقة، مبينا أن الموارد التي صُرفت في الأشهر الماضية كانت تغطي استحقاقات سابقة، فيما بدأت آثار عدم بيع النفط تظهر بصورة انكماشية واضحة في السوق والسيولة.
وأكد كوجر أن الأزمة المالية الراهنة حتمية، وأن سقف السحب من الاحتياطي النقدي والإجراءات الصارمة المتعلقة بالجباية والضرائب والمنافذ الحدودية لن تتمكن من تغطية أكثر من 25‌% من حجم الأزمة القائمة كحد أقصى، ما يفرض، بحسب قوله، حلولا جذرية.
وبين أن الحكومة وعدت بإرسال موازنة البرامج لعام 2027 في موعدها المحدد منتصف تشرين الأول، طبقا لقانون الإدارة المالية، مؤكدا أن الالتزام بهذا التوقيت ضرورة لتنظيم الشؤون المالية مع بداية العام الجديد، خصوصا مع غياب موازنة عام 2026.
واستبعد كوجر إدراج تثبيت عقود جديدة أو درجات وظيفية إضافية في ظل عجز الحكومة عن تأمين الرواتب الحالية، مشيرا إلى أن موازنة 2027 ستشهد، لأول مرة، تطبيق موازنة البرامج والأداء بصورة تجريبية على محافظتين ووزارة الكهرباء، معربا عن أمله في أن يسهم هذا التطبيق في معالجة أزمة الكهرباء.
وأضاف أن اللجنة المالية تضع في مقدمة أولوياتها التشريعية معالجة الأزمة المالية، والضغط لضبط الموارد الجمركية والضرائب، وتحويل الوزارات الخدمية والمستهلكة إلى مؤسسات منتجة.
وأشار إلى استمرار العمل التشريعي عبر جلسات مكثفة عُقدت مع المصارف، وقسم الموازنة، ووزير المالية، وهيئات الضرائب والمنافذ الحدودية لضبط الإيرادات، لافتا إلى وجود طلب نيابي لاستضافة وزير المالية تحت قبة البرلمان لمناقشة الوضع المالي وتمرير حزمة قوانين إصلاحية، مع تقديم تطمينات بشأن تأمين الرواتب.
وعلى المستوى الاقتصادي، يرى متخصصون أن التحدي الأساسي أمام موازنة 2027 يتمثل في كيفية التعامل مع العجز المتوقع وارتفاع فاتورة النفقات التشغيلية التي تستحوذ على الجزء الأكبر من الموارد، وسط تقلبات أسعار النفط العالمية.
وقال المتخصص بالشأن الاقتصادي، جليل اللامي، في حديث خاص لـ«المدى»، إن إمكانية إرسال موازنة 2027 إلى مجلس النواب خلال تشرين الأول المقبل ما زالت قائمة من الناحيتين الفنية والقانونية، مع بدء وزارة المالية فعليا بإعدادها ووجود تفاؤل حكومي بالالتزام بالتوقيت، مستدركا بأن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة الحكومة على صياغة موازنة واقعية تواجه ضغط تذبذب أسعار الخام.
وأوضح اللامي أن التقديرات الأولية تشير إلى أن حجم موازنة عام 2027 يناهز 200 تريليون دينار، بما يعادل نحو 153 مليار دولار، بافتراض سعر صرف رسمي يبلغ 1300 دينار للدولار، مبينا أن النفقات التشغيلية المخصصة للرواتب والتقاعد والدعم الاجتماعي ستستحوذ على نحو 155 تريليون دينار، أي ما نسبته 78‌% من إجمالي الموازنة العامة.
وأضاف أن النفقات الاستثمارية والمشاريع ستستحوذ على نحو 50 تريليون دينار بنسبة 22‌%، فيما تقتطع البرامج الموجهة بالأداء ضمن التحول المالي الجديد نحو 50 تريليون دينار كجزء من الاستثمار الكلي، مع تركيز على قطاعات الصحة والتعليم والبنى التحتية والخدمات الأساسية.
ولفت اللامي إلى أن الهيكل الإيرادي سيبقى تحت هيمنة النفط بنسبة تتجاوز 86‌%، مقابل إيرادات غير نفطية محدودة لا تتعدى 14‌%، أي ما يعادل نحو 14 تريليون دينار، وهو ما يعكس، بحسب تقديره، استمرار ضيق القاعدة الضريبية والجمركية وعدم تفعيل أدوات الجباية الشاملة.
وتابع أن التقديرات التحفظية لأسعار النفط المعتمدة في الموازنة تتراوح بين 60 و65 دولارا للبرميل، متوقعا أن يسجل العجز المالي المخطط ما بين 35 و40 تريليون دينار، أي نحو 20‌% من الناتج المحلي الإجمالي، وقد يتسع إلى 23‌% في حال هبوط الأسعار دون مستوى 60 دولارا.
وشدد على أن مساهمة القطاعات غير النفطية، كالضرائب والجمارك والرسوم وإيرادات الشركات الحكومية، لن تغطي سوى 12‌% إلى 14‌% من إجمالي الإنفاق، ما يدفع الحكومة، وفقا لتقديراته، إلى مواجهة العجز عبر أدوات الدين الداخلي والخارجي بقيمة تتراوح بين 10 و15 تريليون دينار.
وحذر اللامي من ارتفاع نسبة الدين العام من 62‌% من الناتج المحلي في 2026 إلى نحو 67‌% في 2027، معتبرا أن ذلك يضع سقفا خطيرا أمام الاقتراض من دون إصلاحات هيكلية.
وخلص إلى أن موازنة 2027، رغم تبنيها منهجية البرامج والأداء، ستظل موازنة انتقالية، في ظل تضخم فاتورة الرواتب، وهشاشة الإيرادات غير النفطية، واستمرار ارتباط المالية العامة بتقلبات أسواق الطاقة العالمية.

The post موازنة 2027 أمام اختبار الـ200 تريليون.. الرواتب والعجز يضيّقان هامش الإصلاحات! appeared first on جريدة المدى.

اقرأ أيضا: المشهد اليمني – رسالة ردع قاسية.. كيف رد درع الوطن على قصف الحوثي في أبين؟

‫0 تعليق

اترك تعليقاً