iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}
تتعامل القاهرة بتأنٍ مع التصريحات الإثيوبية الأخيرة بشأن بناء المزيد من السدود على نهر النيل والتحكم في تدفقات المياه صوب دولتي المصب، مصر والسودان. وفي مقابل رفع أديس أبابا سقف خطابها، تتحرك الجهات المصرية المعنية على أكثر من مسار لمواجهة التصعيد بما يتناسب مع حجمه، من دون الانجرار إلى حرب تصريحات، مع إبقاء الخيارات مفتوحة إذا تعرض الأمن المائي المصري للتهديد.
اقرأ أيضا: المشهد الدولي – حاملة الطائرات الأمريكية أبراهام لينكولن تغادر الشرق الأوسط بعد 9 أشهر من الانتشار
وأكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في لقاء إعلامي الأربعاء، أن بلاده لن تسمح بإجراءات أحادية جديدة على النيل أو بإقامة سدود إضافية على النهر، مشدداً على أن “هذا موقف ثابت”، وأن لمصر حق الدفاع الشرعي عن مصالحها وأمنها المائي.
وكان وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا قد قال، السبت، إن تدفق مياه النيل باتجاه دولتي المصب سيكون تحت سيطرة إثيوبيا، مؤكداً عزم بلاده على بناء سدود إضافية.
واعتبر محللون أن هذه التصريحات تكشف توجهاً إثيوبياً إلى توظيف السدود، وفي مقدمها سد النهضة، كأداة لتعزيز النفوذ السياسي إلى جانب أهدافها التنموية.
ويقول مصدر مصري لـ”النهار” إن “القاهرة تأخذ تصريحات أديس أبابا على محمل الجد، وتقوم بما يلزم لتأمين مصالحها المائية، باعتبارها قضية أمن قومي”.
ويضيف: “تميل مصر إلى الحلول الديبلوماسية وتجنب المزيد من التصعيد في المنطقة، وتعمل على تهدئة الصراعات المشتعلة، إلا أنه إذا تعرض أمن 100 مليون مصري للتهديد، فإن الخيارات كافة مطروحة”.
تصعيد سياسي وحدود فنية
يرى الخبير المتخصص في الشأن الأفريقي رامي زهدي أن تصريحات أديس أبابا تمثل تصعيداً سياسياً أكثر منها تغييراً فنياً فورياً في معادلة مياه النيل.
ويقول لـ”النهار” إن “إثيوبيا تمتلك بالفعل قدرة كبيرة على التأثير في تدفقات النيل الأزرق، لكنها لا تمتلك السيطرة المطلقة على النيل، ولا يمكنها من الناحية الفنية ببساطة إغلاق النيل أمام مصر والسودان”.
ويعتبر زهدي أن “الأخطر من التصريحات نفسها هو تحويل هذه القدرة المائية إلى خطاب سياسي قائم على التهديد أو فرض الأمر الواقع. هنا تصبح القضية أكبر من سد، وتتحول إلى اختبار حقيقي لاحترام قواعد القانون الدولي للمجاري المائية العابرة للحدود”.
ويرى أن ما يحدث “يمثل تصعيداً إثيوبياً جديداً”، موجهاً إلى الداخل الإثيوبي بقدر توجهه إلى مصر، موضحاً أن “الخطاب المتعلق بالسيادة المائية وحق إثيوبيا في استخدام مواردها يمثل ورقة سياسية داخلية مهمة للحكومة الإثيوبية، خصوصاً في ظل حاجة القيادة الإثيوبية إلى تأكيد سردية مفادها أن البلاد انتقلت من مرحلة الخضوع للضغوط الخارجية إلى مرحلة امتلاك أدوات قوة إقليمية”.

القاهرة توسع حركتها الإقليمية
ويأتي التصعيد في ملف النيل في وقت عززت القاهرة خلال الفترة الماضية علاقاتها مع الصومال وإريتريا، وسط تداخل ملفات أمن البحر الأحمر والتنافس الإقليمي والخلافات مع إثيوبيا.
ويقول الكاتب الإريتري المتخصص في شؤون أفريقيا محمود أبو بكر لـ”النهار” إن “العلاقات بين القاهرة وأسمرة ومقديشو شهدت تحسناً ملحوظاً في الآونة الأخيرة، وهذا ليس بالضرورة موجهاً ضد أديس أبابا أو أطراف أخرى”.
اقرأ أيضا: عبيدات: ضمان سلامة الغذاء لمرضى السيلياك مسؤولية صحية ورقابية
ويضيف: “تطل إريتريا ومصر على البحر الأحمر، ويطل الصومال على خليج عدن والمحيط الهندي، ومع تصاعد التهديدات في تلك المنطقة من قبل الحوثيين وارتباطها بأزمة مضيق هرمز، تأتي ضرورة التنسيق والتقارب لمجابهة المخاطر المحدقة والمحتملة بالممر الملاحي الدولي”.
ويشير الكاتب إلى أن من بين مصادر التوتر التصريحات الإثيوبية بشأن الحصول على منفذ سيادي إلى البحر الأحمر، معتبراً أن تقارب مصر والصومال وإريتريا يأتي في سياق طبيعي، خصوصاً مع اتفاقها على أن أمن البحر الأحمر تتولاه الدول المطلة عليه.
خيارات مفتوحة خلف الديبلوماسية
وتعتمد مصر على النيل في نحو 98% من مواردها المائية المتجددة، في بلد يعاني ندرة مائية حادة. وتبلغ حصة مصر من مياه النيل، وفق اتفاقية عام 1959، نحو 55.5 مليار متر مكعب سنوياً، فيما تراجع نصيب الفرد إلى قرابة 500 متر مكعب سنوياً، أي نصف خط الفقر المائي البالغ 1000 متر مكعب.
وتتعامل القاهرة مع أي إجراءات أحادية في تشغيل سد النهضة أو إنشاء سدود إضافية يمكن أن تؤثر في تدفقات المياه إلى دولتي المصب باعتبارها قضية أمن قومي، وتتمسك بالتوصل إلى إطار قانوني ملزم ينظم التعامل مع السد ويحفظ حقوق الدول الثلاث.
ويؤكد خبراء عسكريون مصريون لـ”النهار” أن الخيار العسكري “غير مستبعد”، فيما تواصل القاهرة استنفاد السبل القانونية والديبلوماسية للوصول إلى اتفاق قانوني ملزم لإثيوبيا والسودان ومصر.
ويرى هؤلاء أن “عدم إلحاق السد ضرراً كبيراً بتدفقات المياه إلى دولتي المصب يساهم حتى الآن في تجنب اللجوء إلى القوة المسلحة، فيما تبقى طبيعة الخطوات الإثيوبية المقبلة وحجم تأثيرها الفعلي عاملين حاسمين في تحديد مستوى الرد المصري”.
وبين الضغط الديبلوماسي والقانوني، وتوسيع الحركة المصرية في محيط القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وإبقاء خيارات أخرى مطروحة، تراهن القاهرة حالياً على إدارة التصعيد من دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة. لكن انتقال أديس أبابا من التصريحات إلى خطوات جديدة تمس تدفقات المياه قد يضع هذا النهج أمام اختبار أكثر صعوبة.
اقرأ أيضا: واشنطن تكشف الإثنين خطة تشديد الخناق الاقتصادي على إيران… والأسواق تترقب
