لا أحد يخبرك أنك أخطأت

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

د. سعود النداح

كلما ارتفع الإنسان درجة قلّ عدد الذين يجرؤون على مصارحته. يبدأ حياته وحوله من يقول له أخطأت في وجهه بلا مقدمات. صديق قديم أو زميل أو أخ لا يخشى منه شيئاً. ثم يكبر ويتقدم ويصير له موقع ووجاهة فيلاحظ أن كلامه صار يُقابل بالموافقة دائماً وأن آراءه تلقى إعجاباً لم تكن تلقاه من قبل. والغريب أن أكثر الناس يقرؤون هذه الظاهرة قراءة خاطئة تماماً فيظنون أن رأيهم نضج، وحقيقة الأمر أن المصارحين انسحبوا.

اقرأ أيضا: محمد نور: الاتحاد ينتظر رأي ينز فيسينغ لإتمام صفقة فرانك كيسيه

فالصراحة سلعة لها ثمن يدفعه قائلها لا سامعها. والذي يصارح صاحب موقع يخاطر بعلاقة أو بفرصة أو براحة بال في أقل الأحوال، ثم إن جاءه من ورائها ضيق مرة واحدة تعلم الدرس وأغلق الباب. أما المجاملة فلا تكلف شيئاً ومردودها مضمون؛ كلمة إعجاب لا تخسر بها شيئاً وقد تكسب بها كثيراً. وهكذا يجد الإنسان نفسه محاطاً بمن اختاروا الخيار الآمن لأن حسابات المكسب والخسارة تعمل في العلاقات كما تعمل في الأسواق.

وهذه المعادلة هي التي تفسر مشهداً نراه ولا نفهمه: رجل واسع الخبرة يتخذ قراراً يبدو لكل من حوله خاطئاً بيّناً ثم يقع ما توقعه الجميع فيتساءل الناس كيف لم ينتبه؟ وهو لم ينتبه لأن أحداً لم يخبره، وأكثرهم كان يعرف ويسكت. صار الرجل يعيش في غرفة معزولة عن الأصوات المزعجة. يدخلها التصفيق ولا يدخلها التحذير ثم يُفاجأ وحده بالنتيجة.

والأدهى أن الإنسان يشارك دون أن يدري في بناء هذه الغرفة. فكل مرة يتضايق فيها من ملاحظة أو يرد على منتقد بجفاء أو يكافئ من يوافقه ويبعد من يخالفه فإنه يرسل رسالة واضحة لمن حوله: الصدق هنا مكلف. ثم يشكو بعد سنوات أن الناس يجاملونه وهو الذي علّمهم أن المجاملة أسلم. ولهذا يقال إن كل قائد يستحق البطانة التي حوله لأنه هو الذي دربها بردود أفعاله على ما يسمع.

وقد أدرك عمر بن الخطاب هذا المعنى بعمق فقال كلمته المشهورة: رحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي. تأمل كلمة «أهدى»؛ جعل النقد هدية تُشكر لا إساءة تُحتمل. وهذا التصنيف وحده يقلب المعادلة كلها، فالذي يستقبل الملاحظة بوصفها هدية يستدعي المزيد منها والذي يستقبلها بوصفها هجوماً يقطع الطريق على أصدق من حوله ويبقي أضعفهم.

اقرأ أيضا: الدعيع: أعتقد هناك فجوة بين اللاعبين وإنزاغي.. فيديو

والمشكلة أن الإنسان لا يستطيع أن يرى نفسه من الخارج مهما بلغ ذكاؤه. عندنا جميعاً منطقة عمياء لا تظهر لنا وتظهر لكل من يجالسنا: نبرة تجرح ونحن نحسبها حزماً وعادة تزعج ولا ننتبه إليها وأسلوب في الحوار يغلق الأبواب ونظنه وضوحاً. هذه المنطقة لا يكشفها التأمل الذاتي ولا كثرة القراءة. لا يكشفها إلا صوت خارجي صادق. ومن أغلق هذا الصوت فقد اختار أن يعيش بنصف صورة عن نفسه.

والمخرج بسيط في وصفه صعب في تطبيقه: أن يصنع الإنسان لنفسه دائرة صغيرة محمية من عواقب الصدق. أشخاص يعرفون أنهم لن يخسروا شيئاً حين يقولون ما يرونه. اثنان أو ثلاثة يكفون. ثم يختبر نفسه اختباراً قاسياً: متى آخر مرة قال له أحد شيئاً لم يعجبه؟ فإن طال العهد بذلك فليس معناه أن أخطاءه انتهت. معناه أن المصارحين انتهوا.

إن أخطر ما في هذه العزلة أنها لا تُشعر صاحبها بشيء؛ فهي عزلة مريحة محاطة بالثناء ومليئة بالناس والمرء فيها يزداد يقيناً بصوابه كل يوم بينما تزداد صورته عن نفسه بعداً عن حقيقته. ولهذا كان أثمن ما يملكه الإنسان في هذه الحياة صديقاً واحداً لا يخاف منه ولا يطمع فيه. لأن مثل هذا الصديق هو المرآة الوحيدة التي تريك وجهك كما هو لا كما تحب أن يكون

اقرأ أيضا: محمد الدهش: الهلال كان يلعب من أجل الفوز أما الفيحاء كان يلعب بشكل متحفظ.. فيديو

‫0 تعليق

اترك تعليقاً