مع تباشير الصباح الأولى فوق وادي حنيفة، لم تكن الأبواب التي فُتحت في الحي الشمالي لمشروع الدرعية مجرد مداخل لمبنى حكومي جديد؛ كانت شاشات الحواسيب المتقدمة تُضاء للمرة الأولى في مواجهة جدران تستحضر ملامح ستة قرون من التاريخ.
هنا، حيث يلتقي تراب نجد العتيق بأحدث الشبكات الرقمية، اختارت وزارة الثقافة أن تخلع عنها رداء الإدارة التقليدية عن بُعد، لتباشر أعمالها اليومية من قلب الفضاء الذي تتنفس فيه الذاكرة الوطنية.
اقرأ أيضا: سلطان مندش يحصد جائزة رجل مباراة الهلال والفيحاء
المبنى الذي صاغته شركة الدرعية على مساحة تمتد إلى 33,168 مترًا مربعًا، بوصفه أضخم مجمع مكتبي مستقل في المنطقة لا يشبه المقرات الإدارية الصامتة؛ إذ تنهض واجهاته المستوحاة من العمارة النجدية لتخلق حوارًا بصريًا بين هيبة الطين والظلال القديمة، وبين فضاءات العمل العصرية المصممة لاستيعاب مئات الموظفين وفرق العمل المعنية برسم ملامح المشهد الثقافي للمملكة.
وداعًا للمكاتب البعيدة.. الثقافة تمشي في الشارع
في هذه الخطوة، يتبدد الحاجز التاريخي بين المخطط الثقافي الجالس خلف مكتبه المعزول وبين نبض الأرض؛ فالدرعية لم تعد في عرف الوزارة مسرحًا خارجيًا يُزار في المواسم أو يُستأجر لإقامة المهرجانات، بل تحولت إلى رئة يومية يختبرها المسؤول والمبدع جنبًا إلى جنب.
هذا التجاور الميداني يعيد كتابة العلاقة مع المكان؛ فالقرارات التي تخص التراث والفنون باتت تُصنع على مسافة خطوات من مواقعها الأصلية وجمهورها الحي.
ويمنح هذا الاستقرار الجغرافي روحًا جديدة لتلك المذكرة التي وُقعت في صيف عام 2022 بين الوزارة وهيئة تطوير بوابة الدرعية؛ فتلك الصفحات التي خطت بنودًا طموحة لتطوير قطاعات الموسيقى، والمسرح، وفنون الطهي، والكتابة الإبداعية، والخط العربي، والعمارة، والفنون المعاصرة، لم تعد مجرد وثائق محفوظة في الأدراج، بل باتت تجد في القرب الميداني قوة دفع تحول الخطط المجردة إلى تفاصيل حية، دون أن يغير ذلك من الهياكل الرسمية للوزارة أو ميزانيات هيئاتها التابعة التي تواصل عملها وفق أطرها المعتمدة.
جدران تتنفس الاستدامة وعيون ترنو إلى المستقبل
داخل أروقة المقر، يمتزج الطراز المعماري التراثي بوعي بيئي صارم؛ فالمبنى الذي توّج بالشهادة الذهبية من نظام «ليد» العالمي وفق نسخته الرابعة، إلى جانب نيله شهادة «مستدام» الذهبية، يترجم مفهوم الحفاظ على البيئة عبر كفاءة استهلاك الطاقة، وترشيد المياه، وتدوير النفايات، وتوفير بيئة عمل صحية.
هذه المعايير لا تقف عند حدود المباهاة الهندسية، بل تقدم نموذجًا واقعيًا تسعى المنظومة الثقافية إلى تطبيقه في كافة منشآتها ومعارضها القادمة، لتتحول الاستدامة من شعار نظري إلى سلوك مؤسسي يومي.
اقرأ أيضا: الهلال يواصل انتصاراته بثلاثية في شباك الفيحاء
وعلى مقربة من المقر، يبرز المشهد أكثر ثراءً؛ فحين ترنو الأبصار نحو حي «الطريف» التاريخي، الحاضر في قائمة التراث العالمي لـ«اليونسكو» منذ عام 2010 كرمز وطني خالد، تلتقي تلك الذاكرة العريقة مباشرة مع نبض «مركز الدرعية لفنون المستقبل» في البجيري، حيث ينشغل الفنانون باستكشاف فنون الوسائط والتقنيات الرقمية.
وفي هذا الفضاء المزدوج، تجد الوزارة نفسها في موقع فريد يتيح لها موازنة كفتي الميزان: حراسة أصالة الماضي من جهة، وإطلاق طاقات الابتكار المعاصر من جهة أخرى، ضمن مستهدفات «رؤية السعودية 2030».
الرهان على الأثر.. حين يصبح المكان مختبرًا
في نهاية المطاف، لا يُقاس المعنى الحقيقي لهذا الانتقال بروعة الحجر النجدي، ولا بعدد الأمتار المربعة للمقر؛ بل بما سيتركه هذا الحضور المباشر في وجدان الساحة الثقافية.
الرهان اليوم يتجاوز حدود الجغرافيا الإدارية نحو اختبار الأثر الإنساني: كيف سيفتح هذا القرب أبوابًا أوسع لجيل المبدعين؟ وكيف سيتحول تاريخ الدرعية إلى مادة حية للبحث والإلهام دون أن يُختزل في قوالب الديكور التراثي؟
إن استقرار وزارة الثقافة في الدرعية ليس مجرد تغيير في العنوان البريدي، بل هو إعلان عن دخول مرحلة يصبح فيها التخطيط الثقافي شريكًا في «صناعة المكان» ذاته؛ حيث يظل الاختبار الأسمى هو قدرة هذا الصرح على تحويل القرب المكاني إلى إبداع مستمر، يمنح التاريخ صوته المتجدد ويفتح أبواب المستقبل على مصراعيها.
اقرأ أيضا: الهلال يفوز على الفيحاء بثلاثية ويواصل انتصاراته في روشن
