هل ينجح رهان العراق على خط أنابيب عملاق نحو المتوسط لتفادي هرمز؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

لم يعد تنويع منافذ تصدير النفط بالنسبة إلى العراق خياراً استراتيجياً مؤجلاً، بل تحوّل إلى أولوية ملحّة بعد أزمة مضيق هرمز التي كشفت مدى اعتماد الاقتصاد العراقي على موانئ الجنوب في تصدير الخام.

اقرأ أيضا: التفاصيل الكاملة لطرح 5 آلاف شقة بالإيجار التمليكي 2026

 

ففي آذار/مارس 2026، ومع اضطراب حركة الملاحة في المضيق، أعلنت وزارة النفط العراقية حالة “القوة القاهرة” على الحقول التي تديرها شركات أجنبية، وخفّضت إنتاج شركة نفط البصرة من 3.3 مليون برميل يومياً إلى 900 ألف برميل فقط، وفق ما ذكرته وكالة رويترز نقلاً عن ثلاثة مسؤولين مطّلعين على القرار.

صورة توضيحية لمنصات حفر نفط خلفها علم العراق (رويترز)

كان الأثر المالي سريعاً. فبحسب تحليل أجرته رويترز لبيانات آذار/مارس، تراجعت الإيرادات النفطية العراقية المقدرة 76% على أساس سنوي إلى 1.73 مليار دولار. وفي نيسان/أبريل، هبطت صادرات العراق إلى نحو 330 ألف برميل يومياً فقط، أي أقل من عُشر مستوياتها المعتادة قبل الأزمة، بحسب تقديرات نشرها معهد اقتصاديات الطاقة في اليابان (IEEJ).

 

ورصد مرصد “إيكو عراق” خسارة نحو 350 مليون برميل من الصادرات جراء إغلاق المضيق، بقيمة قدرها بنحو 37.7 مليار دولار وفق تقديره. ولا تتيح البيانات المتاحة الجزم بمنهجية احتساب هذا الرقم، لكنه يعكس حجم الضغط الذي تعرضت له المالية العامة في بلد تمثل عائدات النفط المصدر الرئيسي للإيرادات.

 

وحتى مطلع آب/أغسطس الجاري، لا تزال آثار الأزمة قائمة جزئياً، إذ يبلغ الإنتاج العراقي الحالي نحو 2.75 مليون برميل يومياً، بينما تقتصر الصادرات على 1.75 مليون برميل يومياً، بحسب تصريحات باسم محمد خضير العبادي، وزير النفط العراقي.

منظومة البصرة-فيشخابور

في هذا السياق، كشف العبادي أن بغداد تمضي في مشروع منظومة أنابيب لنقل الخام من البصرة إلى فيشخابور شمال العراق، بطاقة مستهدفة تصل إلى مليوني برميل يومياً وكلفة تقديرية تبلغ 15 مليار دولار.

 

ويتولى تنفيذ المشروع ائتلاف يضم شركة شيفرون (Chevron) الأميركية، وشركة “تي آي كابيتال” (TI Capital)، وشركة “يو سي سي” (UCC Holding) القطرية، إضافة إلى شركة عراقية، وفق نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية، الذي تموّل بموجبه الشركات المشروع وتشغّله لفترة محددة قبل تسليمه للدولة، بحسب تصريحات وزير النفط ووكالة الأنباء العراقية.

 

ووفق ما أوردته مصادر عراقية ودولية، لا يزال المشروع في مرحلة الاتفاقات الأولية ودراسات الجدوى، ما يعني أن أثره على صادرات العراق لن يكون فورياً. وسيمتد الخط بمحاذاة الأنبوب الاستراتيجي القائم وصولاً إلى فيشخابور، حيث يمكن ربطه بخط كركوك-جيهان المؤدي إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط.

 

وقال العبادي إن المنظومة المقترحة ستتضمن أيضاً فرعاً من مدينة حديثة إلى ميناء بانياس السوري، إلى جانب بحث ربط العراق بميناء العقبة الأردني على البحر الأحمر.

 

مسارات بديلة… لكن متعثرة

المشروع الجديد ليس الجهد الوحيد. فمنذ أيار/مايو 2026 بدأ العراق العمل على المرحلة الأولى من خط البصرة-حديثة، بطول نحو 700 كيلومتر وطاقة مخططة تبلغ 2.5 مليون برميل يومياً، مع رصد 1.5 مليار دولار للمرحلة الأولى. وينفذ هذا المشروع بالشراكة مع شركات صينية، بحسب موافقة محمد شياع السوداني، رئيس الوزراء العراقي، في نيسان/أبريل الماضي على تخصيص الموازنة اللازمة.

 

أما خط كركوك-جيهان القائم، فقد أعاد العراق تشغيل جزء منه في 19 آذار/مارس 2026 بطاقة أولية بلغت 250 ألف برميل يومياً، قبل أن يرفع مجلس الوزراء العراقي الهدف التشغيلي إلى 770 ألف برميل يومياً. لكن الصادرات الفعلية عبره بقيت محدودة مقارنة بمتوسط صادرات العراق السنوي البالغ نحو 3.45 مليون برميل يومياً في 2025.

 

وفي 1 آب/أغسطس 2026، وقّع العراق وتركيا اتفاقاً لمدة عام لزيادة الصادرات عبر خط كركوك-جيهان، على أن يستهدف الاتفاق حداً أدنى يبلغ 750 ألف برميل يومياً، فيما يعمل الجانبان على إطار أوسع لتنظيم صادرات النفط عبر تركيا بعد انتهاء العمل بالترتيبات السابقة المرتبطة باتفاقية خط الأنابيب الموقعة بين بغداد وأنقرة عام 1973.

 

أما المسار السوري، فتاريخه أكثر تعقيداً. فقد توقف خط كركوك-بانياس القديم عن العمل منذ عام 2003 بعد أضرار لحقت به خلال الغزو الأميركي للعراق، ولم تتقدم جهود إعادة تشغيله بسبب الأوضاع الأمنية والسياسية في سوريا.

 

وفي غياب خط عامل، لجأ العراق إلى النقل البري باتجاه سوريا. ودخلت في مطلع نيسان/أبريل نحو 299 شاحنة محمّلة بالفيول أويل، أو النفط الأسود، باتجاه ميناء بانياس، بحسب بيانات سورية وعراقية. لكن هذه الكميات تبقى محدودة ولا تشكل بديلاً عملياً عن صادرات الخام البحرية التي كان العراق يعتمد عليها قبل أزمة هرمز.

اقرأ أيضا: العفو الدولية تطالب دمشق بإلغاء المحاكمات الغيابية لبشار الأسد ومساعديه

 

أما خط البصرة-العقبة إلى الأردن، فلا يزال خارج مرحلة التشغيل الفعلي، فيما يقتصر التعاون القائم على محاولات تجديد ترتيبات نقل بري لكميات محدودة من النفط العراقي إلى الأردن.


وتبحث وزارة النفط العراقية أيضاً إمكان إعادة تفعيل خط أنابيب قديم باتجاه السعودية، يعرف باسم “أي بي إس إيه”، ويربط جنوب العراق بميناء ينبع السعودي على البحر الأحمر. لكن إحياء هذا المسار يتطلب توافقات سياسية وأمنية وفنية بين بغداد والرياض، بعدما توقف منذ عام 1991 عقب الغزو العراقي للكويت.

 

تقليل الاعتماد لا الاستغناء عن هرمز

في تصريح لـ”النهار”، قال حسن حافظ، المسؤول العراقي السابق في منظمة أوبك، إن توقيع اتفاقية مع شركة شيفرون الأميركية لبناء خط جديد بين البصرة وفيشخابور “مهم جداً لتقليل الاعتماد على تصدير النفط العراقي عبر مضيق هرمز”.

حسن حافظ خبير في شؤون الطاقة والمتحدث الرسمي السابق باسم منظمة اوبك

وأضاف حافظ أن “الحكومة العراقية ووزارة النفط تحتاجان إلى تسريع إنشاء هذا الأنبوب”.

 

وعن تأثير المشروع في خريطة الصادرات، قال حافظ: “أتوقع أن الخط الجديد سيغيّر موازين تصدير النفط على مستوى العراق، لكن تأثيره على المستوى العالمي محدود، لأن العراق يصدّر معظم نفطه إلى آسيا، خصوصاً الصين والهند واليابان، وهذا الخط الجديد يخدم الاحتياجات الأوروبية من الخام، وهي محدودة حالياً”.

 

لكن تحويل هذه الخطط إلى واقع لن يكون سهلاً. فالمشاريع المقترحة تتطلب استثمارات كبيرة واتفاقات عبور مع دول مجاورة، فضلاً عن بيئة أمنية مستقرة على طول مسارات الأنابيب. كما أن بناء خطوط بديلة لا يلغي اعتماد العراق على موانئ الجنوب، بل يخفف جزءاً من المخاطر المرتبطة بتركز الصادرات في منفذ واحد.

 

وبحسب تقديرات نقلتها وكالة أسوشيتد برس عن بنك غولدمان ساكس (Goldman Sachs)، تخطط دول الخليج أو تنفّذ سبعة مشاريع أنابيب يمكن أن ترفع طاقة النقل الإقليمية البديلة إلى أكثر من 14 مليون برميل يومياً بحلول نهاية 2028، أي أكثر من 60% من حجم صادرات هذه الدول قبل الحرب البالغ 23 مليون برميل يومياً. ويشير المصرف إلى أن هذه الأنابيب البديلة في الخليج ليست بديلاً كاملاً عن مضيق هرمز بقدر ما هي تحوط جيوسياسي ضد تعطّل الملاحة، فهذه الخطوط، وإن منحت المنتجين هامش مناورة أوسع، تبقى عرضة بدورها للمخاطر الأمنية والهجمات العابرة للحدود.

 

بالنسبة إلى العراق، تكمن أهمية خط البصرة-فيشخابور في أنه يمنح بغداد منفذاً إضافياً نحو المتوسط، لا في أنه ينهي اعتمادها على هرمز. فحتى في حال إنجازه، ستظل موانئ الجنوب المسار الرئيسي لصادرات الخام إلى آسيا، بينما يمكن للخط الجديد أن يوفر قناة أوسع نحو أوروبا ويقلل أثر أي اضطراب مستقبلي في المضيق على الإيرادات النفطية والمالية العامة.

اقرأ أيضا: طلاب وموظفون فلسطينيون يقاضون جامعة كولومبيا بتهمة التمييز ضدهم

‫0 تعليق

اترك تعليقاً