الى / حسن أبو السبح
زعيم نصّار
لا يُعرف الإنسان في الأيام التي تتشابه، يُعرف في اللحظات التي تتصدع فيها الأرض تحت قدميه. هناك حين يفقد الجسد توازنه، ويبدأ الزمن بالانقسام بين ما قبل الألم وما بعده، يظهر أشخاص يضيفون إلى الحياة قدرةً جديدة على الاستمرار.
في تلك الأيام أدركت أنّ الصداقة شكل من أشكال العمر الإضافي الذي يهبه إنسان لإنسان آخر. كان صديقي «حسن أبو السبح «يخفف عن الجسد عبء الخوف، صار حضوره جزءاً من العلاج.
ما الذي يفعله الصديق الحقيقي؟ يحمل احتمال الشفاء. يعيد تنظيم العالم حولك كي لا تشعر بأنك تواجه مصيرك منفرداً. إذ تتحول الصداقة من عاطفة إلى فعل، ومن مجاملة إلى مسؤولية، ومن علاقة شخصية إلى قيمة أخلاقية ترفع الإنسان فوق أنفاسه اليومية.
في تلك الأيام كان صديقي يزرع الأمل في داخلي، كان حضوره لغة أخرى للثقة، وصار الاطمئنان اسماً آخر للصديق.
كنتُ أتساءل: هل يشفى الإنسان بالأدوية وحدها؟ أم أن الأرواح أيضاً تحتاج إلى من يرمم شقوقها؟ ربما كانت بعض الأمراض امتحاناً للأطباء، لكنها امتحان للأصدقاء أيضاً. وهناك يكتشف الإنسان أن الصديق شريك في مقاومتها، وأن الوفاء طاقةٌ تُنفق حتى يعود الآخر إلى حياته أكثر قدرة على استقبال الغد.
هناك أمراضٌ تصيب الجسد، وأمراضٌ تصيب معنى الحياة. الأولى يعرف الأطباء خرائطها، أما الثانية فلا تُشفى إلا بحضور إنسان يوقظ فينا الرغبة في مواصلة الطريق. منذ اللحظة التي أصابتني فيها الجلطة، أدركت أن العلاج يبدأ من الإنسان الذي يرفض أن يتركك وحيدًا أمام امتحان الألم. عندها أخذت الصداقة معناها الحقيقي، لم تعد ذكرى مشتركة، ولا سنوات من المعرفة، ولا أحاديث تتبادلها الأيام، أصبحت قدرةً على حمل جزء من ثقل الآخر حتى يستعيد توازنه.
ومنذ ذلك الوقت بدأت أفكر في سؤال آخر: هل تُقاس الصداقة بعدد السنوات، أم بعدد اللحظات التي تنتصر فيها على الخوف؟ يبدو أن الحياة لا تمنح الإنسان فرصًا كثيرة ليعرف معادن البشر، لكنها تمنحه لحظات قليلة تكفي ليعيد قراءة العالم كله.
في تلك اللحظات يصبح الصديق علاجًا آخر، يتولد من ضمير يعرف أن الإنسان لا يشفى وحده، وأن الأرواح تحتاج إلى من يحيطها بالأمل كما يحيط الجسد بالدواء. ولهذا بقي موقف حسن أبو السبح في ذاكرتي أكبر من حادثة مرض، لأنه كشف لي أن الصداقة هي إحدى القوى الخفية التي تواصل بها الحياة حماية الإنسان من الانكسار.
تتعرض الأمم، كما يتعرض الأفراد، لاختباراتٍ تكشف البنية العميقة التي تقوم عليها حياتها. ليست الحروب وحدها هي التي تمتحن الشعوب، ولا الأزمات الاقتصادية، تمتحنها أيضًا قدرتها على خلق بشرٍ يرون في الوقوف مع الآخر جزءًا من كرامتهم الشخصية. هنا يكون يعود الوفاء فضيلةً تزيّن السيرة، ويصبح أحد الشروط التي تجعل المجتمع قادرًا على الاستمرار. فالأوطان تُبنى بشبكات الثقة التي ينسجها الناس بينهم، وبالأيدي التي تمتد في لحظات العسر قبل لحظات اليسر.
حين أتأمل موقف صديقي ، لا أراه حادثةً منفردة في حياتي، وإنما أراه تعبيرًا عن ثقافة إنسانية عميقة ترى أن الإنسان مسؤول عن الإنسان. وما أجمل أن يتحول هذا الشعور إلى ممارسة يومية، لا تنتظر مناسبة ولا تبحث عن مقابل. هناك يكتسب العطاء معنى جديدًا، لقد عمّق لي يقيني بأن العالم ما زال قادرًا على إنتاج الخير، وأن الأخلاق طاقةٌ تتحرك بين الناس، فتمنح الحياة توازنها كلما أوشكت على الميل.
ولعل أعظم ما يفعله الوفاء يحفظ صورة الإنسان في أعين الآخرين. فكل موقف نبيل يفتح أمام المجتمع أفقًا جديدًا من الثقة، وكل يد تمتد إلى متألم تؤسس لمعمارٍ أخلاقي لا تراه الأبصار، لكنه يحمل المجتمع كله كما تحمل الجذور الشجرة. وهكذا يصبح الإنسان الوفيُّ صانعًا لرأسمالٍ أخلاقي، تتوارثه القلوب أكثر مما تتوارثه الذاكرة، ويغدو حضوره قوةً هادئة تُعيد إلى العلاقات الإنسانية معناها الأول.
توجد سيرٌ يكتبها أصحابها بالحبر، وسيرٌ تكتبها المناصب، وسيرٌ تصنعها الشهرة، غير أن هناك نوعًا نادرًا من السير لا يُكتب إلا بالمواقف. إنه ذلك النصّ الصامت الذي يتركه الإنسان في ذاكرة الآخرين، فلا يحتاج إلى مؤرخ، لأن القلوب تتولى حفظه، ولا يحتاج إلى شاهد، لأن أثره يبقى حاضرًا كلما عادت الذاكرة إلى لحظةٍ غيَّرت معنى الحياة. هكذا أرى حسن أبو السبح إنسانًا يكتب سيرته بالفعل قبل العبارة، وبالحضور قبل الوصف، وبالوفاء قبل أي تعريف آخر، أراه مثالًا لقيمة أخلاقية تتجاوز حدود الفرد.
لقد علمتني تجربتي أن المرض يكشف هشاشة الجسد، يكشف البنية العميقة للعلاقات الإنسانية. هناك تتساقط الأسماء التي كانت تبدو كبيرة، وتبقى الأسماء التي تمتلك قدرةً حقيقية على حمل الإنسان وهو يعبر وادي الألم. وحين أنظر إلى تلك الأيام، أجد أن صديقي كان يواجه فكرة الألم. كان حضوره يقول من دون أن ينطق إنَّ الإنسان لا يُترك وحيدًا ما دام في القلب متسعٌ للمحبة، وما دام في الضمير مكانٌ للمسؤولية، ولذلك بقي موقفه أكبر من ظرفه، لأن المواقف النبيلة لا تنتهي بانتهاء مناسباتها، المواقف تتحول إلى جزءٍ من هوية الذي عاشها.
لهذا السبب أستطيع أن أكتب عن الصداقة بوصفها قيمةً إنسانية تتجسد في شخص. فالصداقة بناءٌ يومي للثقة، والوفاء طريقةٌ في فهم الإنسان والحياة. ومن يمتلك هذه الرؤية يشارك في إعادة ترميم العالم من حوله، لأن كل موقفٍ نبيل يضيف إلى الوجود مقدارًا جديدًا من المعنى.
The post (نص) الصديق ..كائن يوسّع حدود الحياة appeared first on جريدة المدى.
