لم يفتأ الإنسان منذ آلاف السنين حائراً أمام سؤاله الوجودي: ما الإنسان؟ رغم أن الدين قد تولّى الجواب القطعيَّ عنه، وكذلك حاولت الفلسفة تقديم رؤية اجتهادية.. تفاوت منظورها للإنسان صعودا وهبوطا رُقِيَّاً وتسفُّلا تبعا لاختلاف المدارس الفلسفية
لم يفتأ الإنسان منذ آلاف السنين حائرًا أمام سؤاله الوجودي: ما الإنسان؟ رغم أن الدين قد تولّى الجواب القطعيَّ عنه، وكذلك حاولت الفلسفة تقديم رؤية اجتهادية.. تفاوت منظورها للإنسان صعودا وهبوطا رُقِيًَّا وتسفُّلا تبعا لاختلاف المدارس الفلسفية وعدم اجتماع الفلاسفة على رأي موحد في الإنسان أو في غيره من القضايا.
اقرأ أيضا: “حماس” تؤكد التزامها باتفاق غزة بعد مباحثات كوشنر ونتانياهو
أمَّا الدين فقد ارتفع بالإنسان إلى أعلى مراتب الوجود الكوني أفضليةً: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)
وذلك بخَصِّه بأمور أربع:
الأول: جعله خليفة لله في الأرض خلافة تعكس أسْمَى مراتب التفضيل والتَّكريم الإِلَهي: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ).
الثاني: منحة العقل الذي هو أثمن هبات الله للإنسان وهو مناط التكليف والتكريم والاختيار والامتياز.
الثالث: طبيعة خلق الإنسان الشريفة حيث أفرده الله بثلاث من السمات لم تتوفر إلا للإنسان، فقد خلقه الله بيده سبحانه؛ ونفخ فيه من رُوحه؛ وأسجد له الملائكة: قال تعالى (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ).
الرابع: تحَمُّلُه مسؤولية الأمانة الكونية التي عجزت عنها السموات والأرض والجبال: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ).
وكانت اللعنة عاقبة من رفض الانصياع لتلك السمات التي فرضت التميز الإنساني والأفضلية الكونية له: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ).
وبسبب من هذا التكريم وتلك الأفضلية فقد مُنح الإنسان عددًا من حقوق الإنسان التي تكفل له القدرة على القيام بأعباء الخلافة في عمارة الكون، أهمها:
١- خلقه في أعدل هيئة وصورة تناسب وظيفته: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ).
٢- الحفاظ على حياته وماله وعرضه وحريته التي جعلها الدين أهم مقاصد التشريع، وذلك صيانةً لكرامة الإنسان وضمانةً لِحُقوقه وكفالةً لعدم الإخلال بها والتعدِّي عليها:
* فتم فرض المساواة الإنسانية حقا إلزاميا واجبا: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).
* وتمَّ تحريم القتل وتغليظ عقوبته بما لايُطاق عاجلا أو آجلا حفاظا على حق الحياة: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا)، (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا).
* وتم تحريم السرقة وتشديد عقوبتها لردع من ينتهك حق الملكيَّة الفردية: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
* منع الإكراه تعزيزًا لحق الحُرِّية والاختيار خاصة في الاختيار الديني فضلا عما دون ذلك: (لا إِكراهَ فِي الدّينِ).
* تحريم الزنا وتجريمه حماية لحق الإنسان في نسب شريف وأسرة طاهرة العِرْض: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).
3- تسخير ما في الكون لِخِدمة الإنسان: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).
بينما نجد الفلسفة تبتعد كثيرا عن الدين في أكثر المسائل الجوهرية بشأن حقيقة الوجود الإنساني باستثناء بعض المدارس والفلاسفة مثل الألماني مارتن هيدجر بعيدًا عن تصنيف الفيلسوف المصري الدكتور عبد الرحمن بدوي للفيلسوف الألماني مارتن هايدجر بأنه ملحد، ذلك التصنيف الذي لا يصح بحال من الأحوال ولم يوافقه عليه أحد من الأثبات.
فهل يمكن القول بأن هايدجر عندما أقام نسقه الفلسفي على أساس من (الوجود) حياة الإنسان، (الموت) الذي هو جزء من كينونة الإنسان، وبينهما القلق تجاه مصير الإنسان الحتمي، ذلك القلق الذي ليس شعورًا بل قيمة فلسفية باحثة عن معنى الوجود وكيفية تحقيقه بالدازاين (Da zein) الوجود الحقيقي المتعين بالعالَم..
ذلك الوجود الذي تفقد حياة الإنسان معناها إذا لم يحققه باختياره وإرادته الحرة، وإلا أصبح مغتربًا عن ذاته، منتفيًا وجوده الحقيقي، متهربًا من مسؤوليته الوجودية تجاه العالم، فاقدًا البصمة المؤثرة في الحياة، متحولا إلى رقم في قطيع استهلاكي روتيني مغلق تافه.
اقرأ أيضا: «الزراعة» و«البحث العلمي» تستمعان للمزارعين لتوجيه الابتكار نحو حلول تخدم الحقل (صور)
هل يمكن القول بأنه أول فيلسوف غربي يدرك عظمة الخلق الإنساني على النحو الذي طرحه التصور الإسلامي، بأن الإنسان سيد الكون الذي خلقه الله تعالى خليفة في الأرض لعمارتها، وأمدَّه بكل مقومات الامتياز المناسبة لأداء تلك المهمة، وتحمل الأمانة التي عجزت عن تحملها السموات والأرض والجبال..
فمنحه العقل وأدوات الإدراك والحواس وأرشده بالوحي لكي يعمل بإيجابية وتأثير يُحاسب على التقصير فيه، فلا تزول قدماه حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن ماله مم جمعه وفيما أنفقه، وعن علمه فيما عمل به؟
فإن كان ذلك كذلك فما هي المصادر التي اعتمد عليها هايدجر من تراثنا ومن فلاسفتنا ومفكرينا خاصة أنه بدأ حياته لاهوتيًا، بل يرى بعض نقاده كذلك مثل جلال صادق العظم أن نسقه الفلسفي عبارة عن لاهوت مُقَنَّع، أو على الأقل كما يقول جاك دريدا عن كتاب هايدجر الرئيسي (الوجود والزمان): إنه لم يُقرأ جيدا بعدُ، ولايزال يعاني سوء الفهم أو عدمه، وما زال الكثير من مواضعه غير واضح وغامض وعسير على الفهم.
ويؤيد ما ذهب إليه جاك دريدا أن هايدجر نفسه قد انتقد الفيلسوف الفرنسي سارتر بأنه قد استعار اصطلاحاته لكنه حرَّفها.
وقد يثور سؤال لم يحظ حتى اليوم بجوابٍ شاف: هل تستطيع الفلسفة بمدارسها ومذاهبها النتشية السوبرمانية والهيدجرية الوجودية تعيين حدود الوجود الإنساني وأبعاد قدرته؟ أم أن الأمر قد حسمه الدين سَبْقًا وتحديدا في قانون الكلمات الثلاث المُعَيِّن حدود القوة الإنسانية الخادعة: (وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا)؟
لأن القدرة الوهمية التي يغترُّ بها الإنسانُ هي مَقْدِرة غافلة عن عامِلَيْن:
الأول: قدرة الإنسان لم تجعله الأكبر خلقًا ولا الأشد قوة في العالم: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) ؛ (أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ۚ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ).
ولهذا يعجز الإنسان عن حماية نفسه أمام غضب الطبيعة في الزلازل والبراكين والعواصف والأمواج.
الثاني: أن تلك المقدرة ليست ذاتية بل بتسخير الله للكائنات وتذليلها لتخدم الإنسان: (اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).
وإلا فما القوة أو القدرة التي يستطيع بها الإنسان إجبار الشمس على الشروق، وانتظام حركة دوران الأرض حولها كي يتعاقب الليل والنهار: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)؟
وما القوة التي تجعل صبيا دون السابعة يقتاد فيلا ضخما أو جَمَلا عظيما بينما هو عاجز عن السيطرة على بعوضة؟
الإرضاع التضليلي في بروتوكولات إخوان الشياطين
نافذة على الوعي (20).. استلاب الهويات
وأمام كل تلك الاعتبارات تسقط جهالات التنوير الزائف وتهويمات تجار الحداثة وهرتلات دهاقنة العلمانية في القول بمركزية الإنسان أو تأليهه بإحلاله محل الله القدير، بينما الإنسان عاجز عن مجاراة بعض مظاهر الطبيعة في قوتها: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا).
اقرأ أيضا: لجنة خدمة المجتمع وتنمية البيئة بجامعة الأزهر تناقش الخطة التنفيذية للعام الدراسي الجديد
