“نادته الأيقونة”… شغف عمره 35 عاماً

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

بين أيقوناته التي يعود بعضها إلى القرن السادس عشر، يجلس أستاذ الهندسة في جامعة البلمند إيلي أبي ناصيف، في حضرة شغفٍ كرّس له أكثر من 35 عاماً من حياته: “الأيقونة”. ووسط ضوء خافت وصمت تفرضه روعة المكان، ينظر إيلي إلى رحلة حياته التي تتجسّد أمامه في كل أيقونة معلّقة على الجدران. يسترجع معها سنوات طويلة أمضاها في البحث والسفر واقتناء الأيقونات، حتى أصبح هذا المكان ملجأه الخاص، الذي وجد فيه السعادة والسلام وشغفاً لا ينضب.

اقرأ أيضا: غسان تويني… عشق الأيقونة الذي بدأ بدمعة أم

عندما تدخل إلى منزله، تنتقل في لحظة إلى عالم آخر، روحاني، يخطفك من واقعية الحياة. تقف مذهولاً أمام جمال الأيقونات المتنوعة، الروسية والدمشقية واليونانية… وبين أيقونة السيد المسيح، وأيقونة العذراء مريم، والتجلّي والصلب وغيرها، فيستوقفك سؤال واحد: كيف وصلت كل هذه الأيقونات إلى هنا؟ وكيف استطاع هذا الشغف أن يُترجم بهذه الصورة؟

لم يكن إيلي يتصور يوماً أن يدخل عالم الأيقونات. كان بعيداً عن كل ذلك، قبل أن تستوقفه أيقونة أحبها كثيراً، ومنذ تلك اللحظة – وفق ما يقول – “علّق”.  يُصرّ  إيلي على أن كل أيقونة يقتنيها هي التي “تُناديه”، وكأنها تقول له: “أريد أن أكون موجودة في منزلك”، وفق ما يروي لـ”النهار”.

جانب من مجموعة الأيقونات التي يقتنيها إيلي أبي ناصيف في منزله. (تصوير حسام شبارو – النهار)

لكل أيقونة قصة، ولكل واحدة بلد وتاريخ وتفاصيل دقيقة تُميزها. ينتقي إيلي أيقوناته بعناية وواقعية، ويعترف بأن بعضها “رائع جداً، لكنّها تفوق قدرته المادية”. يدرك أن اقتناء الأيقونة ليس بالأمر السهل؛ يغرق في تفاصيلها قبل أن يقرّر شراءها، ويبحث عمّا “تناديه” لتكون جزءاً من مجموعته في المنزل، وإحداها استغرقت نحو 4 أشهر حتى تصل، كان مستعداً لفعل أيّ شيء لتكون في منزله!

في منزله، لا تحكي الأيقونات رحلة حياته فحسب، بل تجسّد أيضاً أحداثاً ومراحل من حياة السيد المسيح والعذراء والرسل والقديسين، لتذكّره – وفق ما يوضح – “بأن الله موجود في كلّ مكان، وفي كل تفصيل”. وفي خضم عجقة الحياة وضجيجها والتزاماتها، يهرب إيلي إلى عزلته المفضلة. يعترف في حديثه “عندما تقف أمام الأيقونة بصمت، ستسمع ماذا ستقول لك. عليك فقط أن تصغي”.

أيقونة القديس ديمتريوس…البداية المفتوحة

 

بدأت رحلة إيلي في عالم الأيقونات بالصدفة. بعد الحرب اللبنانية، مرّ ذات يوم أمام محلّ للتحف القديمة، وهناك اشترى أول أيقونة في حياته، وكانت للقديس ديمتريوس. يتذكّر  جيداً ما قاله له صاحب المحل آنذاك “عندما تشتري هذه الأيقونة، بتشوف شو رح يصير”. 

كانت تلك البداية. من أيقونة واحدة، بدأ إيلي يتعمق أكثر في عالم الأيقونات، في روحانيتها ورموزها وتفاصيلها، وصولاً إلى البحث عن المحال التي تبيعها، ليس في لبنان فقط، بل في فرنسا وألمانيا وبلجيكا وروسيا واليونان وغيرها. ومع مرور السنوات، لم يعد الأمر مجرد اقتناء، بل تحوّل إلى علاقة خاصة بينه وبين كل أيقونة تصل إلى منزله. وكما يقول إيلي “الحمدلله حظيت بها، لأنها تعرف أنها ستكون مكرّمة هنا… باختصار هي المنزل بالنسبة لي”.

يشدد إيلي على أن ما يجمعه ليس مجرد أيقونات، بل علاقة خاصة يصعب وصفها. يعترف “لم أتصوّر يوماً أن أجمع كل هذه الأيقونات وأن أختبر الروحانيات فيها. الأيقونات ليست خشباً وألواناً ورسوماً، بل هي كيفية النظر من خلالها إلى الناس. الأيقونة تساعدك على أن تكون إنساناً”.

يدرك إيلي حدود ما يستطيع إنفاقه في اقتناء الأيقونات. صحيح أن بعضها يتمنى لو يملكها، لكنه في الوقت نفسه واقعي في خياراته. بالنسبة إليه، “لا أتخطى الـ 7-8 آلاف دولار للأيقونة الواحدة، ولو كانت الظروف مختلفة، ما كنتُ لأفكر بسعرها”.

ومع ذلك، لا يزال يتذكّر أيقونة واحدة كان يتمنى أن يقتنيها، تجسّد يسوع وحواره مع السامرية. لكن عدم قدرة الشخص الذي كان موجوداً في فرنسا على الدخول إلى المزاد حال دون مشاركته والمزايدة عليها. يقول إيلي “هي أيقونة نادرة جداً، وكنت أتمنى أن تكون موجودة مع هذه المجموعة لقيمتها المعنوية والروحية والفنية”. ويضيف “أحب الأيقونات التي تكون مرتبطة بحياة المسيح، وتُعتبر هذه الأيقونات قليلة ونادرة الوجود”.

اقرأ أيضا: أسعار المانجو اليوم، الفص تقفز إلى 150 جنيها وارتفاع جديد في السكري والعويسي

لكل أيقونة قصتها، وتاريخها، وبلدها، وميزتها التي تروي جانباً من حكايتها.( تصوير حسام شبارو – النهار)

 

لن أبيع أيقوناتي… سأهبها!

غاص إيلي أكثر في عالم الأيقونات وبُعدها اللاهوتي. برأيه، “يجب أن يتعمق الإنسان قليلاً حتى يعرف قيمة الأيقونات وما تعنيه”؛ فبعضها قد لا تبدو ملامحها جميلة أو متجانسة، لأنها رُسمت بطريقة بدائية، لكنها، في نظره، من بين أجمل الأيقونات لما تحمله من روحانية عميقة.

لذلك، لا يشتري إيلي أيقونة لمجرد جمالها، بل ينظر إلى رمزيتها، والفنان الذي رسمها، وتاريخها وقصتها والبيئة التي خرجت منها. كل هذه المعايير تكون حاضرة بقوة عندما يقرر أن يضم أيقونة جديدة إلى مجموعته.

لكن اختيار الأيقونة الأقرب إلى قلبه يبدو مهمة مستحيلة. يبتسم ويعترف “لا يمكن لأحد أن يختار بين أبنائه. كذلك الأمر بالنسبة إليّ مع الأيقونات. جميعها غالية عليّ ولها ميزاتها. لكل واحدة قصتها وتاريخها وتأثيرها في البيئة الخاصة بها، لكن تبقى الأيقونة الأولى هي الأساس، لأنها فتحت لي هذا الباب إلى هذا العالم الرائع”.

أما وصيته بعد عمر طويل، فبسيطة وحاسمة “عدم بيع الأيقونات”. هذا شرطه الوحيد. يريد أن تبقى المجموعة إرثاً، “هبة لعائلته أو لمن يراه أميناً على هذا الكنز الثمين”.

لكن خلف هذا الشغف كله، يحمل إيلي أمنية أكبر تتجاوز منزله ومجموعته. أمنية تخص لبنان الذي يعيش فيه، وعلى حد تعبيره “أن يصبح لبنان بلد والإنسان محترم فيه… يا ريت!”.

اقرأ أيضا: المشهد اليمني – لأول مرة… مسؤول أمريكي بارز يكشف كواليس اتفاقية ستوكهولم ويصفها بـالخطأ

‫0 تعليق

اترك تعليقاً