غسان تويني… عشق الأيقونة الذي بدأ بدمعة أم

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

 في دير سيدة صيدنايا في سوريا، وأمام أيقونة “الشاغورة” وهي أيقونة للعذراء مريم التي يُقال أن القديس لوقا رسمها بنفسه، وبينما جثت والدة الصحافي الكبير الراحل غسان تويني على ركبيتيها تصلي وتبكي، وُلدت حياة عشق في قلب ابنها غسان، “هزته دموع والدته…كما هزته تلك الأيقونة” بشكل خاص. فكان ذلك النور الخافت الذي ومض في داخله، قبل أن يتحول مع السنوات إلى شغف باقتناء الأيقونات وترميمها، وكأنها “مهمة إلهية” كان عليه أن يتممها حتى النفس الأخير.

اقرأ أيضا: أسعار المانجو اليوم، الفص تقفز إلى 150 جنيها وارتفاع جديد في السكري والعويسي

 

عادت “الشاغورة” إليه يوماً، لكن هذه المرة لينقذها. وقف أمامها كما كانت تفعل والدته، وتأمل وجهها السماوي، لتبدأ قصة أخرى مع الأيقونات، أكثر عمقاً وروحانية. كانت الأيقونة قد اتشحت بالسواد بعدما غلّفها الزمن، فطلب غسان تويني ترميمها على يد الأب أنطوان لامنس، لتستعيد شيئاً من ملامحها التي غيّبها الزمن.

 

اشتعلت شرارة حبه للأيقونات. كان يرى فيها الصلوات والابتهالات التي رُفعت أمامها عبر السنين، وكأن طبقات اللون تحمل أيضاً طبقات من الإيمان والذاكرة. ومع مرور الأعوام، وجد نفسه في منزله في بيت مري محاطاً بمجموعة كبيرة من الأيقونات، جمعها في لحظات عشق متتالية. كانت تلك فسحته الخاصة، المكان الذي يختلي فيه بنفسه وبها. وكما يقول”كلما تقدمت في العمر، كلما أحسست بوجودها“.

 

كانت علاقته بالأيقونة عميقة أشبه برحلة بحث عن ارتقاء روحي، بالنسبة إليه كانت ” وسيلة حوار مباشرة مع الله” انطلاقاً من إيمانه بأن “التأمل في الصور المقدسة يضع المرء على اتصال مباشر بالحضور الإلهي”. كان يؤمن بأن الأيقونة لا تنتهي عند حدود إطارها؛ إنها تفتح حواراً بين من ينظر إليها ومن تنظر إليه.

 

الأيقونات كانت أشبه بكنيسته السرية التي يهرب إليها، يتأملها بصمت ويحلم بتكاثرها…رفيقات عمره وسلواه في الضيقة والأمل. لم يكن يختار الأيقونة عن عبث بل عن حب، وغالبيتها كانت روسية وتعود إلى القرنين الثامن والتاسع عشر. كان يترك قلبه يقرر. ومن بين أجمل ما امتلك أيقونة دائرية تمثل السامرية والمسيح جالساً على حافة بئر يعقوب، إلا أن أيقونتين بقيتا الأقرب إلى قلبه من مجموعته كلها “الغطاس” و”عذراء الآلام“.

 

غسان تويني يقف أمام أيقونة السيدة العذراء (الصورة من أرشيف النهار)

اقرأ أيضا: المشهد اليمني – لأول مرة… مسؤول أمريكي بارز يكشف كواليس اتفاقية ستوكهولم ويصفها بـالخطأ

 

كان يغوص في حواراته الصامتة والصارخة مع المسيح والعذراء مريم والقديسين، كان يخطابهم كما لو أنه يخاطب نفسه. كان يتحدث إلى مار الياس، شفيعه واسمه في المعمودية، وإلى يوحنا الدمشقي. لكن في محنه، كان هناك قديس وجد فيه عوناً خاصاً على تجاوز الألم: مريم المجدلية. بالنسبة إليه، “كانت أكثر شخص جسّد المغفرة“.

 

ولعل الأيقونات التي أحاط نفسه بها كانت تعكس، بطريقة ما مراحل من درب شخصي طويل: ألم، فقدان، رجاء، ثم محاولة مستمرة للنهوض. لهذا تبدو مجموعته أبعد من كونها مجموعة مقتنيات. إنها سيرة أخرى لغسان تويني، فكل أيقونة تحمل وجهاً، وكل وجه يستدعي قصة، وكل قصة تلتقي بجزء من حياته. اختار أن تبقى الأيقونات بجواره ربما لأنه كان يعرف أن بعض الأشياء يكفي أن تبقى أمامك، وأن تنظر إليها طويلاً، حتى تبدأ هي في الحديث.

 

 

 

اقرأ أيضا: خشبة وذهب وألوان… ريشة تكتب الصلاة

‫0 تعليق

اترك تعليقاً