الدكتور كامل المحادين
شهد الأسبوع الماضي محطة مهمة وعميقة الدلالة في مسيرة تطوير الأراضي المحيطة بموقع معمودية السيد المسيح، تمثلت في توقيع أربع اتفاقيات لتنفيذ مشاريع رئيسية ضمن مشروع منطقة تطوير موقع المعمودية.
ولم يكن توقيع هذه الاتفاقيات مجرد استكمال لإجراءات التعاقد، بل مثّل انتقالاً مهماً من مرحلة التخطيط والدراسات والتصاميم إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، وفتح فصلاً جديداً في مسيرة تطوير أحد أهم مواقع الحج المسيحي في العالم.
ويستند هذا التطوير إلى رؤية واضحة وبعيدة المدى لجلالة الملك عبدالله الثاني، الذي أكد باستمرار أهمية حماية التراث الديني في الأردن وتعزيز مكانة المملكة بوصفها وجهة للحج والحوار والتعايش والسلام. ويأتي موقع المعمودية في صميم هذه الرؤية، بما يحمله من قيمة دينية وتاريخية وإنسانية استثنائية.
بالنسبة إلى الأردن، فإن تطوير هذا المشهد المقدس يمثل فرصة ومسؤولية وطنية عميقة في آن واحد. فهذا مكان تلتقي فيه العقيدة بالتاريخ والطبيعة والسلام، وهو موقع مدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو، ويحظى بأهمية روحية استثنائية لدى ملايين المسيحيين حول العالم. ولذلك، فإن مستقبله يتطلب أعلى درجات العناية والتخطيط والمسؤولية.
ولا يمكن قياس التنمية في هذا الموقع بعدد الطرق التي يتم إنشاؤها، أو المباني التي يتم إنجازها، أو المرافق التي يتم توفيرها، أو أعداد الزوار الذين يمكن استقبالهم. فالمقياس الحقيقي للنجاح يكمن في مدى احترام كل تدخل لحرمة المكان، وأصالته، وخصوصيته البيئية، ومعناه الروحي.
ومن هذا المبدأ انطلق مشروع منطقة تطوير موقع المعمودية ومخططها الشمولي، الذي أُعد وقاده فريق من المهندسين والمختصين الأردنيين. فلم يُنظر إلى المخطط الشمولي باعتباره مجموعة من المشاريع المنفصلة، وإنما بوصفه إطاراً متكاملاً للتنمية المسؤولة والمدروسة، يهدف إلى حماية القيم الدينية والتاريخية والثقافية والبيئية للمنطقة، مع توفير بيئة تستقبل الحجاج والزوار بكرامة وراحة وأمان واحترام.
ويضع المخطط الشمولي إطاراً متناسقاً للحركة وسهولة الوصول، والبنية التحتية، وخدمات الزوار، واستعمالات الأراضي، وحماية المشهد الطبيعي، والمرافق اللازمة للتطوير المستقبلي. والأهم من ذلك أنه ينطلق من حقيقة أساسية: منطقة تطوير موقع المعمودية ليست وجهة سياحية عادية، بل مشهد مقدس ذو قيمة دينية وإنسانية عالمية.
وهذا التمييز جوهري في كل قرار يتعلق بالموقع. فالبنية التحتية يجب أن تدعم التجربة الروحية ولا تنافسها، والمرافق والخدمات ينبغي أن تعزز سهولة الوصول والراحة دون أن تنتقص من أصالة المكان، كما يجب أن تتم إدارة النمو بعناية تضمن بقاء الطبيعة والتراث الثقافي والهوية الدينية للموقع مصونة للأجيال القادمة.
ومن هنا تكتسب الاتفاقيات التي تم توقيعها الأسبوع الماضي أهميتها؛ فهي تمثل انتقالاً من الرؤية إلى التنفيذ، وتؤكد في الوقت ذاته أهمية التخطيط الشمولي باعتباره الأساس لتنمية منسقة ومتوازنة.
فبدلاً من التعامل مع كل مشروع بصورة منفصلة، يوفر المخطط الشمولي رؤية موحدة تضمن أن يسهم كل تدخل في بناء مستقبل متكامل لمنطقة تطوير موقع المعمودية بأكملها. وهذا جهد وطني مبارك ومقدر، ويشكل خطوة مهمة في ترجمة الرؤية إلى واقع، في ظل دعم ومتابعة حكومة الدكتور جعفر حسان.
وتزداد أهمية هذه المرحلة مع توجه الأردن نحو عام 2030، وما يرتبط به من اهتمام دولي متوقع بإحياء ذكرى معمودية السيد المسيح.
إن مناسبة بهذه الأهمية الدينية والإنسانية والدولية تتطلب أكثر من الاستعداد لحدث واحد. إنها تتطلب إعداد مكان قادر على استقبال العالم، بما يليق بمكانته وقدسيته. ويعني ذلك تحسين الوصول والحركة، وتعزيز البنية التحتية وخدمات الزوار، وتوفير المرافق الملائمة، وحماية المشهد الطبيعي، وضمان أن تعكس تجربة الزائر بأكملها كرامة الموقع وقدسيته.
لكن الطموح يجب ألا يتوقف عند عام 2030.
فالفرصة الحقيقية تكمن في أن يكون عام 2030 حافزاً لإيجاد إرث مستدام ودائم. ولن يكون المقياس الحقيقي للنجاح هو ما سيتم إنجازه من أجل احتفال أو مناسبة واحدة، وإنما ما سيبقى بعد ذلك بسنوات طويلة: للحجاج الذين سيقومون برحلتهم الروحية، وللزوار الذين سيكتشفون هذا المشهد المقدس، وللمجتمعات المحلية، وللأجيال القادمة.
وهنا تتجلى القيمة الحقيقية للمخطط الشمولي.
فالتخطيط يوفر الانضباط اللازم لتحقيق التوازن بين الطموح والمسؤولية، ويضع إطاراً يمكن من خلاله المضي في التنمية دون التضحية بهوية المكان. كما يتيح تلبية الاحتياجات الحالية، مع ضمان أن تكون القرارات المتخذة اليوم منسجمة مع حماية الموقع على المدى الطويل.
وترتبط منطقة تطوير موقع المعمودية ارتباطاً وثيقاً بالهوية الروحية والثقافية للأردن، إلا أن أهميتها تتجاوز الحدود الوطنية، لأنها تربط المملكة بجماعة إيمانية عالمية وبتراث إنساني مشترك.
من هنا يتحمل الأردن مسؤولية فريدة: أن يحمي هذا المكان المقدس، وأن يستقبل الحجاج القادمين من مختلف أنحاء العالم، وأن يقدم نموذجاً يؤكد أن التنمية والمحافظة على التراث ليستا هدفين متعارضين، بل يمكن، بل ويجب، أن يسيرا معاً.
والعمل الذي ينتقل الآن من مرحلة الخطط والدراسات إلى مرحلة التنفيذ هو حصيلة سنوات من الالتزام والعمل المشترك من جانب مؤسسات وطنية وجهات رسمية ومهنيين ومخططين ومهندسين ومصممين وأصحاب مصلحة، أدركوا جميعاً أن مستقبل هذا المكان بالغ الأهمية بحيث لا يمكن تشكيله من خلال تدخلات مجزأة.
لقد كان لا بد من رؤية شاملة.
وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى الجهود التي بذلها الفريق الأردني الذي شارك في إعداد مشروع منطقة تطوير موقع المعمودية ومخططها الشمولي، والذي أسهم بخبراته في صياغة رؤية متكاملة تنطلق من خصوصية المكان واحتياجاته، وتضع في الوقت ذاته حماية قيمه الدينية والتاريخية والبيئية في صميم عملية التطوير.
لكن في نهاية المطاف، لن يُقاس الإنجاز بالمخططات نفسها، بل بالمكان الذي ستساعد هذه المخططات على إيجاده.
مكان يصل إليه الحجاج بكرامة وسلام.
مكان تُصان فيه الذاكرة التاريخية بدلاً من إزاحتها.
مكان تبقى فيه الطبيعة جزءاً أساسياً من التجربة الروحية.
ومكان تخدم فيه البنية التحتية المعاصرة إيماناً متجذراً في التاريخ، دون أن تطغى عليه أو تغير هويته.ومكان يستطيع فيه الأردن أن يُظهر للعالم التزامه الراسخ بالتراث الديني، والتعايش، والحوار، والسلام.
وعليه، فإن منطقة تطوير موقع المعمودية ليست مجرد مشروع للتنمية أو برنامج للإنشاءات، وإنما هي استثمار في الإيمان، والتراث، والهوية، والمستقبل.
وهي أيضاً امتداد ملموس لرؤية جلالة الملك عبدالله الثاني تجاه التراث المقدس في الأردن، ولرسالة المملكة إلى العالم في ترسيخ قيم التعايش والحوار والسلام.
إن العمل الذي بدأ الآن على أرض الواقع لا يتعلق فقط بالاستعداد لعام 2030، بل يتعلق بإعداد هذا المشهد المقدس للأجيال التي ستأتي من بعدنا؛ للحجاج الذين لم يقوموا برحلتهم بعد، وللزوار الذين لم يعيشوا تجربة المكان بعد، ولمستقبل تستمر فيه رسالة الأردن في الإيمان والتعايش والسلام في الوصول إلى الناس في مختلف أنحاء العالم.
إن الحفاظ على الإيمان وصياغة المستقبل ليسا طموحين منفصلين.ففي منطقة تطوير موقع المعمودية، هما مسؤولية واحدة.
وفي نهاية المطاف، فإن إرث هذا المشروع لن يُقاس فقط بما سنبنيه، بل بمدى حكمتنا في حماية ما أُوكل إلينا من أمانة.
اقرأ أيضا: تفحم سيارة ملاكي التهمتها النيران بمحور جمال عبدالناصر (صور)
