المواطن لا يعيش داخل تقرير إنجازات، وإنما يفتح عينيه على فاتورة، ويذهب إلى عمله في شارع، ويشتري طعامه من سوق، ويرسل أبناءه إلى مدرسة، لذلك، عندما يُطلب منا أن نقارن بين مصر 2012 ومصر 2026، فالأمانة تقتضي أن نبحث في حياة المصريين أنفسهم.
نكمل اليوم المقارنة التي طلبها منا معالي رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي.. ورغم أن المقارنة الحقيقية قد تحتاج إلى صفحات كثيرة في كتاب كبير.. فهناك مقارنات تصلح لها الجداول والأرقام، ومقارنات أخرى لا تحتاج إلا إلى أن تنظر في وجه الناس.
تستطيع الحكومة أن تقول لك إن عدد الطرق زاد، وإن المدن الجديدة امتدت، وإن المشروعات تكاثرت، وإن مؤشرات كثيرة تحسنت، ولكن هناك مؤشرًا واحدًا لا تستطيع أي نشرة رسمية أن تخفيه: شكل الحياة نفسها في عيون المواطن.
فالمواطن لا يعيش داخل تقرير إنجازات، ولا يفتح صباحه على بيان حكومي، وإنما يفتح عينيه على فاتورة، ويذهب إلى عمله في شارع، ويشتري طعامه من سوق، ويرسل أبناءه إلى مدرسة، ويبحث عن مستشفى عندما يمرض، ويعود آخر النهار إلى بيت يريد فقط أن يطمئن أنه سيظل بيته. ولذلك، عندما يُطلب منا أن نقارن بين مصر 2012 ومصر 2026، فالأمانة تقتضي ألا نبحث عن الإجابة في مكاتب المسؤولين، وإنما في حياة المصريين أنفسهم.
هناك فقط ستظهر المقارنة التي لا تستطيع الأرقام أن تجميلها، ولا البيانات أن تخفيها. فمصر التي نعيشها اليوم ليست مجرد مصر التي تغيرت ملامحها؛ لكنها مصر التي تغيّرت فيها علاقة المواطن بأبسط تفاصيل حياته، من البيت الذي يخشى عليه، إلى الرغيف الذي يحسب ثمنه، إلى الشجرة التي يبحث عن ظلها، إلى الحديقة التي لم يعد يجدها، وإلى ذلك الإحساس القديم الذي كان يقول للمصري ببساطة: “هذه بلدي.. وأنا أولى الناس بها”.
وفوق هذا وذاك مصر التي لم يعد فيها المواطن يشعر بأن اللي مالوش أهل.. الحكومة أهله. فالمواطن اليوم أصبح على يقين أن الحكومة ليست أهله ولا ظهره ولاسنده.. بل أصبحت أشبه بزوجة أب قاسية.
لنبدأ من البيت، لأن البيت بالنسبة للمصري لم يكن مجرد عقار، وإنما كان آخر حصن للأمان. كان المصري يحلم أن يمتلك شقة، يعمل سنوات ويدخر ويدفع الأقساط ويستدين، حتى يأتي اليوم الذي يمسك فيه مفتاحها ويقول بفخر: «ده بيتي».
أما اليوم، فلم يعد الخوف فقط من ألا يستطيع المصري شراء بيت، وإنما أصبح من يملك بيته بالفعل يخشى أن تُنزع ملكيته لأن مكانه أعجب الحكومة، ولأن مشروعًا جديدًا قرر أن يمر من حيث يقف بيته تحت عنوان «المنفعة العامة».
كان السؤال زمان: كيف أمتلك بيتًا؟ وأصبح السؤال: يا ترى لو امتلكت.. هل سيظل ملكي أم ستأخذه الحكومة للمنفعة العامة؟
ثم فوجئ المصري أن بلده نفسها لم تعد كما كان يعرفها. ملايين البشر أصبحوا يزاحمونه في السكن والعمل والتعليم والخدمات، بينما يرى سياسات حكومية تمنح الوافدين تسهيلات وامتيازات لا يجد مثلها هو.
وفي الجامعات الحكومية تظهر المفارقة التي يصعب على أي أب مصري ابتلاعها: طالب وافد يمكنه، وفق قواعد القبول المعلنة، دخول الطب من 75%، بينما يحتاج الطالب المصري في بعض مسارات القبول إلى 95%.
الطالب المصري الذي قضى عامًا كاملًا يذاكر ويضغط على أعصابه وأعصاب أسرته، ويعرف أن نقطة واحدة قد تفصله عن حلم عمره، يجد أن القادم من خارج البلاد يستطيع دخول الكلية نفسها بشروط أقل بكثير.
وهنا لم يعد السؤال عن الوافد، وإنما عن المصري نفسه: لماذا أصبح صاحب البلد هو الذي يحتاج إلى أن يتسول حقه؟ حتى وصل الأمر إلى أن يناشد المصري حكومته أن تعامله كما تعامل الوافدين. يا لها من مفارقة موجعة: أن يطلب صاحب البيت أن يحصل على معاملة الضيف.
وانزل إلى الشارع، وسترى واحدة من أكثر صور التدهور وضوحًا: التوك توك. الذي تركته الحكومة عن عمد ليملأ الشوارع والحارات، بلا ترخيص وبلا رقابة، حتى أصبحت أعداده بالملايين داخل شوارع مصر، تتحرك كيفما تشاء وتفرض وجودها على الشارع فرضًا.
ومن وسيلة مواصلات تحول التوكتوك إلى وباء شوَّه الشوارع وأفسد حركة المرور، وفتح الباب أمام فوضى ومشاجرات وبلطجة وجرائم، حتى أصبح في بعض المناطق نموذج كامل من «بلطجية التوك توك» يعرفهم الناس ويخشونهم، بينما الدولة تترك الظاهرة تتكاثر أمام عينيها حتى أصبحت أمرًا واقعًا.
والأخطر أن هذه الفوضى لم تضرب الشارع وحده، وإنما جذبت أعدادًا من الشباب بعيدًا عن المصانع والحرف والعمل المنتج، في الوقت الذي تعاني فيه قطاعات صناعية من نقص العمالة. لم يعد التوك توك مجرد وسيلة مواصلات؛ أصبح علامة على شارع فقد انضباطه، وعلى دولة تركت المشكلة تكبر حتى أصبح من الصعب السيطرة على آثارها.
ثم تعالَ إلى لقمة العيش، فهنا لا تستطيع البيانات أن تجادل المواطن. رغيف الخبز الذي كان بخمسة قروش أصبح بثلاثة جنيهات. وعلبة التونة التي كانت بأربعة جنيهات أصبحت في حدود سبعين جنيهًا.
قد تبدو هذه أرقامًا صغيرة أمام حديث الاقتصاد الكبير، لكنها بالنسبة للأسرة المصرية هي الاقتصاد كله؛ لأن المواطن لا يشتري مؤشرات التضخم، وإنما يشتري طعامه، ويقف أمام الرف في السوبر ماركت ويفكر: أشتري هذا أم ذاك؟ وأستطيع أن أستغني عن ماذا هذا الشهر؟
وفي الكهرباء، كان الكيلو وات في إحدى الشرائح بخمسة قروش عام 2012، وأصبح اليوم 68 قرشًا. أكثر من ثلاثة عشر ضعفًا، ولم تعد الفاتورة مجرد ثمن للكهرباء التي استهلكها المواطن، وإنما أضيفت إليها رسوم وأعباء أخرى، من رسوم الخدمة إلى رسوم النظافة.
أصبح المواطن يدفع ثمن الكهرباء، ثم يدفع رسومًا على الخدمة، ثم يدفع رسومًا للنظافة التي لم تعد موجودة أصلا في الشارع المصري، حتى بات يشعر أن الفاتورة لديها قدرة عجيبة على اختراع أبواب جديدة للدفع كلما حاول أن يفهم لماذا ارتفعت.
وفي الاتصالات، تحولت خدمات الهاتف والإنترنت من رفاهية إلى ضرورة لا يستطيع المواطن الاستغناء عنها. العمل والتعليم وتحويل الأموال وإنجاز الخدمات كلها أصبحت مرتبطة بالهاتف والإنترنت، ومع ذلك ارتفعت تكلفة الباقات والخدمات، بينما لا يزال المواطن يعاني ضعف الشبكة وانقطاعها وبطء الإنترنت. أصبح يدفع أكثر لكي يظل متصلًا، ثم يقضي جزءًا من يومه يبحث عن إشارة أقوى.
أما التعليم، فالحكاية أكثر مرارة. نعم، زاد عدد المدارس، لكن الطالب زاد أيضًا، وظلت مشكلة الكثافات، وعجز المعلمين، والدروس الخصوصية قائمة. المدرسة التي كانت هي الأصل، والدرس الخصوصي استثناءً لمن يريد مزيدًا من التفوق، أصبحت في بيوت كثيرة مجرد محطة أولى، ثم تبدأ رحلة الدروس التي تستهلك من دخل الأسرة ووقت الأبناء وأعصاب الآباء. التعليم الحكومي الذي كان يسمى مجانيًا أصبح مجانيًا في إسم المدرسة، ومدفوعًا في كل ما يحتاجه الطالب لكي يتعلم فعلًا.
وفي الصحة، لا تحدثني يا دكتور مدبولي عن عدد المستشفيات في التقارير، وإنما اسأل المواطن عندما يمرض: إلى أين يذهب؟ وكم يدفع؟ وهل يجد سريرًا وطبيبًا ودواءً؟ المريض لا يذهب إلى المستشفى ومعه تقرير عن مؤشرات القطاع الصحي؛ يذهب ومعه جسد مريض وأسرة قلقة ومحفظة محدودة. ولذلك أصبح المرض نفسه يحمل خوفين: الخوف من المرض، والخوف من تكلفته.
اقرأ أيضا: الرئيس اللبناني يطالب بابا الفاتيكان بالضغط لوقف الاعتداءات الإسرائيلية على جنوب البلاد
ثم نصل إلى الفن، إلى مصر التي كانت تعرف كيف تمنح مواطنيها مساحة للفرح. كانت المسارح تزدحم بالجمهور، وكانت مسرحيات كبار النجوم حدثًا ينتظره الناس، وكانت السينما صناعة تصنع النجوم وتنافسهم وتخلق حالة فنية تمتد من القاهرة إلى كل العالم العربي.
لم يكن المسرح مجرد مبنى، وإنما كان جزءًا من حياة المصري. اليوم ما زال هناك مسرح وسينما لكنها مبانٍ لا تجد ما يعرض عليها من فنون، فأين هي تلك الحالة التي كانت تجعل المسرحية حديث البيوت والمقاهي؟
أين المسرح الذي كان يملأ ليالي القاهرة والإسكندرية؟ أين المنافسة التي كانت تجعل كبار النجوم يتسابقون على الجمهور؟ حتى الفرحة الصغيرة التي كان المصري يهرب إليها من ضغوط الحياة أصبحت ذكرى.. صعبة المنال.
ثم ابحث عن شيء أكثر بساطة: شجرة يستظل بها. ستجد أن الأشجار التي كانت تمنح الشوارع حياة وظلًا اختفت تحت المناشير، وأن المساحات الخضراء تقلصت أمام الزحف الخرساني. يبحث الأب عن حديقة يخرج إليها مع أسرته يوم الجمعة فلا يجد، أو يجدها وقد تحولت إلى مشروع استثماري له بوابة وتذكرة وأسعار. حتى الحديقة التي كان يمكن أن يجلس فيها الفقير مع أسرته أصبحت فرصة استثمارية، وحتى ظل الشجرة أصبح شيئًا نفتقده ونبحث عنه.
وهنا تكتمل الصورة يا دكتور مدبولي. لم تعد الحكاية رغيفًا ارتفع سعره، ولا فاتورة كهرباء تضخمت، ولا مدرسة لم تعد تكفي، ولا مستشفى يخشى المواطن تكلفته، ولا توك توك ابتلع الشارع، ولا بيت يخشى صاحبه أن تُنزع ملكيته. الحكاية أكبر من ذلك كله.
الحكاية أن المصري يشعر أن الأشياء التي كانت تشكل حياته اختفت واحدة وراء الأخرى: شجرته، وحديقته، وشارعه، وبيته، وقدرته على التعليم والعلاج والترفيه، وحتى إحساسه بأن هذه الأرض له.
نحن اليوم يا دكتور مدبولي مصريون بائسون، منسيون، مهمشون في بلدنا، مقهورون من الأسعار، ومقهورون أكثر من جبروت حكومة تتعامل مع المواطن باعتباره الممول الرئيسي والوحيد لكل ما تنفقه الدولة؛ لكل مشروعاتها، ولكل أفكارها، ولكل ما نجح منها وما فشل. يدفع المواطن حين ترتفع الأسعار، ويدفع حين ترتفع الرسوم، ويدفع حين تتغير الخدمات، ويدفع ثمن أخطاء لم يرتكبها، ثم يُطلب منه أن يصبر وأن يتحمل وأن يصفق.
والمصري الذي كان يشعر أنه صاحب البلد، أصبح في كثير من الأحيان يشعر أنه مجبر لا مخير. لا يملك أن يرفض زيادة، ولا يستطيع أن يستغني عن خدمة، ولا يجد بديلًا عن مدرسة أو مستشفى أو مواصلة أو مسكن. يدفع لأن عليه أن يدفع، ويتحمل لأنه لا يملك رفاهية عدم التحمل.
فإذا كانت هذه هي مصر التي تريدنا أن نقارنها بمصر 2012، فدعنا نقولها بلا تجميل ولا مساحيق ولا بيانات: نعم، مصر تغيرت. لكن السؤال الذي يهم المصري ليس كم تغيرت مصر، وإنما إلى أين أخذ هذا التغيير حياته؟
أنت قلت: قارنوا.. فقارنّا يا دكتور مدبولي. لم نقارن عدد الكباري بعدد الكباري، ولا عدد المدن بعدد المدن، ولا كمية الخرسانة بكمية الخرسانة. قارنَّا ما يهم المصري فعلًا: بيته، ورغيفه، وفاتورته، ومدرسة أولاده، ومستشفاه، وشارعه، وشجرته، وحديقته، وجيبه، وأخيرًا إحساسه بأنه صاحب هذا البلد وأن الحكومة تعمل لمصلحته فعلا.. وليست كزوجة الأب القاسية التي تعمل علي قهر أبناء زوجها.
هذه هي الصورة التي أردنا أن نضعها أمامك بلا تزييف: المصري يدفع أكثر، ويملك أقل، ويخاف أكثر، ويجد أن المساحات التي كانت تتسع لحياته تضيق كل يوم. المصري لم يعد يطلب رفاهية، وإنما يطلب أن يعيش في بلده بكرامة، وأن يجد مكانًا لبيته وأولاده، ومكانًا لظل شجرة، ومكانًا في مدرسة ومستشفى، ومكانًا في وطن يشعر أنه وطنه.
مدبولي قال قارنوا.. فقارنَّا. وهذه المرة لم نقارن مصر بمصر، وإنما قارنَّا المصري بنفسه.. فهل هذه هي المقارنة التي كنت تقصدها يا دكتور مدبولي؟
اقرأ أيضا: لبنان يحدد كفاءات الذكاء الاصطناعي.. كيف نقيسها لدى المعلّمين؟
