ليلة الشمبانيا والنبوءة الغاضبة.. السر الذي غيّر تاريخ مانشستر يونايتد

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

لم يكن رحيل أليكس فيرجسون عن أبردين مجرد انتقال لمدرب ناجح إلى نادٍ أكبر، بل كان نهاية حقبة استثنائية في تاريخ النادي الاسكتلندي، وبداية رحلة تحولت لاحقاً إلى واحدة من أعظم قصص النجاح في تاريخ كرة القدم. ففي الوقت الذي كان فيه جمهور أبردين يحلم باستمرار مدربه الذي أعاد النادي إلى منصات التتويج الأوروبية والمحلية، اتخذ فيرجسون قراراً مفاجئاً بالرحيل إلى مانشستر يونايتد، تاركاً خلفه حالة من الغضب والصدمة وخيبة الأمل.

اقرأ أيضا: 4 غيابات.. مورينيو يعلن القائمة الرسمية لمواجهة فالنسيا

“أعتقد أنه يتخذ خطوة خاطئة، وأظن أنه سيندم على ذلك”، هكذا علّق أحد مشجعي أبردين على القرار في نوفمبر 1986، معبراً عن مشاعر قطاع كبير من الجماهير التي لم تستوعب كيف يمكن للرجل الذي صنع أمجاد النادي أن يغادر بهذه الطريقة.

لكن ما لم يكن يتخيله ذلك المشجع، ولا كثيرون غيره، أن المدرب الاسكتلندي كان على موعد مع كتابة تاريخ جديد في إنجلترا، وأن السنوات الـ26 التالية ستجعله أحد أعظم المدربين الذين عرفهم عالم كرة القدم.

وبمناسبة مرور 40 عاماً على اليوم الذي غادر فيه فيرجسون أبردين متجهاً إلى مانشستر يونايتد، استعادت هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” تفاصيل تلك اللحظات، من كواليس الإعلان عن الصفقة إلى ردود فعل الجماهير واللاعبين والمسؤولين، وصولاً إلى تقييم القرار بعد أربعة عقود.

المباريات القادمة

8 سنوات من المجد.. فيرجسون يصنع معجزة أبردين

قبل أن يصبح اسمه مرادفاً للنجاح في مانشستر يونايتد، كان أليكس فيرجسون قد صنع لنفسه مكانة استثنائية في اسكتلندا، بعدما قاد أبردين خلال ثماني سنوات إلى مرحلة ذهبية لم يكن النادي معتاداً عليها.

تحت قيادته، نجح فريق “الدونز” في كسر الهيمنة التقليدية لعملاقي الكرة الاسكتلندية رينجرز وسيلتيك، بعدما توج بثلاثة ألقاب في الدوري الاسكتلندي، وأربعة ألقاب في كأس اسكتلندا، إلى جانب كأس الكؤوس الأوروبية وكأس السوبر الأوروبي.

لم تكن تلك الإنجازات مجرد مجموعة من البطولات، بل كانت تحولاً تاريخياً جعل أبردين أحد أبرز الأندية الأوروبية في تلك الفترة، ومنح جماهيره شعوراً بأن الفريق يعيش حقبة قد تستمر لسنوات طويلة.

ولهذا السبب، لم يكن من السهل على المشجعين تقبل فكرة رحيل الرجل الذي يقف وراء تلك النجاحات، خصوصاً أن فيرجسون كان قد منح النادي استقراراً فنياً ونتائج استثنائية، جعلت مغادرته تبدو وكأنها نهاية مشروع كامل.

ناقش الموضوعات والأخبار بشكل أعمق فيمنتديات كووورة

صحفي يكتشف الصفقة.. وزجاجة شمبانيا تكشف السر

في السادس من نوفمبر عام 1986، كان الصحفي والمذيع الرياضي في هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” في اسكتلندا، رودي فورسيث، على موعد مع واحدة من أهم الأخبار في مسيرته المهنية.

فقد طلب منه محرره التوجه إلى مدينة أبردين للتحقق من الشائعات التي تحدثت عن وجود مفاوضات بين أليكس فيرجسون ومانشستر يونايتد، بعدما تزايد الحديث عن اقتراب المدرب الاسكتلندي من تولي قيادة الفريق الإنجليزي.

كانت الرحلة الجوية التي استقلها فورسيث من جلاسكو مزدحمة بالصحفيين، لكن معظمهم لم يكونوا متجهين لتغطية أخبار كرة القدم، بل لمتابعة تداعيات كارثة تحطم مروحية من طراز شينوك في جزر شيتلاند، والتي أسفرت عن مقتل 43 شخصا.

وبمجرد وصوله إلى أبردين، بدأ فورسيث رحلة البحث عن الحقيقة، إلى أن قادته الصدفة إلى المكان الذي كان يجتمع فيه فيرجسون مع مارتن إدواردز، رئيس مانشستر يونايتد آنذاك، داخل أحد فنادق المطار.

ويروي الصحفي أن اكتشافه للمكان جاء بطريقة غير متوقعة، بعدما أجرى اتصالاً هاتفياً طالباً التحدث إلى “السيد إدواردز القادم من مانشستر”، ليخبره موظف الاستقبال بأن الأخير موجود في منطقة المطعم.

يقول فورسيث: “سمعت بعض الأصوات، فتوجهت نحو مصدرها، وهناك وجدت مارتن إدواردز وأليكس فيرجسون. سألته مباشرة: هل أنت المدير الفني الجديد لمانشستر يونايتد؟ فأجابني: نعم”.

وكان المشهد أكثر وضوحاً مما توقع الصحفي، إذ كانت هناك زجاجة شمبانيا على الطاولة، قبل أن يسكب فيرجسون له بعضاً منها في كأس، ليرفعها فورسيث مهنئاً المدرب الاسكتلندي بمنصبه الجديد.

وبعد محادثة قصيرة، سارع الصحفي إلى التواصل مع غرفة الأخبار في هيئة الإذاعة البريطانية لتأكيد النبأ، الذي أصبح أحد أبرز عناوين الأخبار الرياضية في ذلك اليوم.

وأضاف فورسيث: “كانت كارثة سامبورج تتصدر العناوين الإخبارية الرئيسية، بينما تصدر أليكس فيرجسون عناوين الأخبار الرياضية. لقد كان يوماً حافلاً بالأحداث الإخبارية والرياضية والبث الإعلامي، ومن تلك الأيام التي لا يمكن أن تنساها طوال مسيرتك المهنية أو حياتك”.

“سيندم على ذلك”.. غضب جماهيري من قرار الرحيل

لم يكن الإعلان عن انتقال فيرجسون خبراً عادياً بالنسبة إلى جماهير أبردين، التي وجدت نفسها أمام حقيقة صعبة: المدرب الذي قاد فريقها إلى مجد غير مسبوق قرر الرحيل، تاركاً وراءه مشروعاً كان يبدو قادراً على مواصلة حصد البطولات.

وفي اليوم نفسه، نقل برنامج “ريبورتينج سكوتلاند” التابع لهيئة الإذاعة البريطانية ردود فعل المشجعين من حانة “بيتودري بار”، حيث اختلطت مشاعر الحزن بالغضب والدهشة.

وكان أحد المشجعين مقتنعاً بأن فيرجسون يرتكب خطأً كبيراً بمغادرته النادي، قائلاً: “إنه أمر مؤسف بالنسبة إلى أبردين، وأعتقد أنه يتخذ خطوة خاطئة، وأظن أنه سيندم على ذلك بعد سنوات”.

بينما لم يكتفِ مشجع آخر بالتعبير عن خيبة أمله، بل وجه انتقاداً مباشراً إلى المدرب الاسكتلندي، مستعيداً مواقفه السابقة من اللاعبين الذين كانوا يغادرون أبردين بحثاً عن فرص أفضل.

وقال: “كان فيرجسون يلقي المواعظ حول أهمية وجود لاعبين مخلصين، وكان يغبط رينجرز وسيلتيك على امتلاكهما لاعبين من هذا النوع. وبعبارة أخرى، كان ينتقد لاعبيه بسبب مغادرتهم أبردين، لكنه هو نفسه قدم مثالاً مناقضاً تماماً عندما قرر الرحيل”.

وكانت تلك الكلمات تعكس التناقض الذي شعر به بعض المشجعين؛ فالرجل الذي طالب لاعبيه بالولاء للنادي اختار بنفسه مغادرة الفريق عندما حصل على فرصة الانتقال إلى أحد أكبر أندية إنجلترا.

ناقش الموضوعات والأخبار بشكل أعمق فيمنتديات كووورة

“ضربة ساحقة”.. أبردين يفقد مدربه وطاقمه الإداري

لم تقتصر تداعيات رحيل فيرجسون على الجماهير، بل امتدت إلى إدارة النادي واللاعبين، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد بعد سنوات من العمل تحت قيادة المدرب الاسكتلندي.

ووصف إيان دونالد، الذي كان يشغل منصب نائب رئيس أبردين آنذاك، رحيل فيرجسون بأنه “ضربة ساحقة”، مشيراً إلى السرعة الكبيرة التي حدث بها كل شيء.

وقال في تصريحات تعود إلى عام 1986: “حدث الأمر بسرعة فائقة، وبين عشية وضحاها تقريباً. فحتى صباح الأمس، كان لدينا ربما أفضل طاقم إداري في بريطانيا، والآن نخسرهما معاً”.

وكان يقصد بذلك فيرجسون ومساعده الذي غادر معه إلى مانشستر يونايتد، في ضربة لم تكن فنية فقط، بل طالت الهيكل الإداري والفني الذي ساهم في بناء نجاحات أبردين.

أما داخل غرفة الملابس، فقد كان التأثير واضحاً أيضاً، إذ تحدث قائد الفريق السابق ويلي ميلر عن حالة عدم اليقين التي سيطرت على اللاعبين بعد رحيل مدربهم.

اقرأ أيضا: دي لا فوينتي يصدم المغرب.. وينصح نجم برشلونة بعد استبعاده

ورغم أن فيرجسون كان معروفاً بشخصيته القوية وعصبيته الشديدة، فإن اللاعبين كانوا يدركون حجم تأثيره في الفريق، ومدى إصراره على تحقيق الانتصارات والبطولات.

ويقول ميلر إن بعض أساليب المدرب الاسكتلندي ربما لم تعد مقبولة في كرة القدم الحديثة، مستعيداً الأجواء المتوترة التي كانت تشهدها غرف الملابس.

وأضاف: “مثل هذه التصرفات لن تمر مرور الكرام في وقتنا الحالي. ربما كان ذلك هو ما توقعناه آنذاك من أي مدرب. لا أعتقد أن لاعبي اليوم سيقبلون بشيء يشبه ذلك، مثل قذف الأكواب داخل غرف تبديل الملابس”.

لكنه شدد في الوقت نفسه على أن فيرجسون لم يكن يسعى إلى الفوز بالألقاب فحسب، بل أراد تحقيقها بطريقة مميزة، وهو ما جعل شخصيته الصارمة جزءاً من ثقافة النجاح التي صنعها في أبردين.

واعترف ميلر بأنه شعر بخيبة أمل كبيرة عندما علم برحيل المدرب، مؤكداً أن هذا الشعور كان مشتركاً بين معظم اللاعبين، رغم إدراكهم أن القرار النهائي كان بيد فيرجسون وحده.

الرد الأقوى على المشككين.. هل كان فيرجسون يستحق اللوم؟

بعد مرور أربعة عقود على ذلك القرار، تبدو مشاعر جماهير أبردين أكثر هدوءاً وتوازناً، بعدما أصبح من الممكن النظر إلى الأحداث بعيداً عن صدمة اللحظة الأولى.

ويقول ساندي سميث، البالغ من العمر 72 عاماً، والذي عاصر مختلف المراحل التي مر بها النادي خلال سنوات تشجيعه الطويلة، إن رحيل فيرجسون كان مؤلماً للغاية، لكنه أصبح أكثر تفهماً لأسبابه مع مرور الوقت.

وأوضح: “كان الأمر محبطاً للغاية ومؤلماً جداً، لكن لكي نكون منصفين، لا توجد مقارنة بين مانشستر يونايتد وأبردين. بعد كل ما قدمه للنادي، شعرت بحزن شديد عندما رحل”.

وأضاف أن فيرجسون واجه صعوبات خلال موسميه الأولين في مانشستر يونايتد، قبل أن ينجح في تغيير مسار النادي ويبدأ رحلة حصد البطولات، مشيراً إلى أن رحيله كان صدمة كبيرة لأبردين بكل المقاييس.

في مؤتمره الصحفي الأول بعد توليه تدريب مانشستر يونايتد، لم يُخفِ فيرجسون حجم التضحية التي قدمها بمغادرة أبردين، مؤكداً أنه ترك وظيفة كانت توفر له استقراراً استثنائياً.

وقال: “لقد تركت ما يمكن اعتباره أكثر الوظائف استقراراً في كرة القدم البريطانية، بعقد مدى الحياة مع نادي أبردين. لم يكن هناك سوى نادٍ واحد يمكنه إغرائي بالرحيل عن أبردين، وهو النادي الوحيد الذي رغبت دائماً في الانتقال إليه”.

وكانت تلك الكلمات كافية لتوضيح أن قراره لم يكن مجرد بحث عن المال أو فرصة عمل جديدة، بل كان مرتبطاً بحلم قديم بالعمل في مانشستر يونايتد.

ورغم الصعوبات التي واجهها في بدايته داخل أولد ترافورد، نجح فيرغسون في تحويل النادي إلى قوة مهيمنة على كرة القدم الإنجليزية والأوروبية، خلال مسيرة امتدت 26 عاماً، حصد خلالها 38 لقباً.

وتضمنت إنجازاته 13 لقباً في الدوري الإنجليزي الممتاز، ولقبين في دوري أبطال أوروبا، وخمسة ألقاب في كأس الاتحاد الإنجليزي، وأربعة ألقاب في كأس الرابطة، إلى جانب العديد من البطولات الأخرى.

وهكذا، فإن المشجع الذي توقع أن يندم فيرجسون على مغادرة أبردين لم يكن مخطئاً في التعبير عن مشاعر الجماهير آنذاك، لكنه لم يكن قادراً على تخيل ما سيحدث لاحقاً.

فبعد 40 عاماً، أصبح السؤال الحقيقي ليس لماذا غادر فيرجسون أبردين، بل ماذا كان سيحدث لو لم يتخذ تلك الخطوة؟

ناقش الموضوعات والأخبار بشكل أعمق فيمنتديات كووورة

اقرأ أيضا: حسام حسن يرد على أنباء رحيله عن منتخب مصر: ما علاقة حياتي الشخصية بالتقييم الفني؟

‫0 تعليق

اترك تعليقاً