كاردينال نونا يحذر: فشل عودة المسيحيين هو التحدي الأكبر أمام العراق

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

 ترجمة حامد أحمد

في مقابلة مع وكالة فاتيكان نيوز Vatican News البابوية في روما، قال بطريرك الكنيسة الكلدانية في العراق والعالم، الكاردينال مار بولص الثالث نونا، إن فشل عودة المسيحيين إلى مناطقهم في سهل نينوى يمثل اليوم أكبر تحد أمام العراق، مشيرًا إلى أن فقدان الأمل، وخصوصًا لدى الشباب، يعتبر من أخطر الأزمات التي تواجه البلد، موضحًا أن قلة فرص العمل واستمرار حالة عدم الاستقرار تدفع الكثير منهم إلى التخطيط للهجرة، وأن العديد من النازحين غادروا البلاد بشكل دائم أو يفضلون العيش في مناطق يعتبرونها أكثـر استقرارًا.

اقرأ أيضا: واشنطن تحذر إسرائيل: الوجود الدائم في جنوب لبنان يهدد أمن البلدين

وبعد مرور اثني عشر عامًا على فرار عشرات الآلاف من المسيحيين بسبب اجتياح تنظيم داعش لمناطقهم في سهل نينوى، لم تتمكن إعادة إعمار بلداتهم من استعادة الوجود المسيحي الذي كان قائمًا قبل عام 2014. ويحذر البطريرك الكلداني في بغداد من أن العديد من العائلات لا تزال بعيدة عن مناطقها الأصلية، مشيرًا إلى أن غياب الأمل، ولا سيما لدى الشباب، يمثل أحد أكبر التهديدات لمستقبل المجتمع المسيحي في العراق.
وقال نونا: “إن عودتهم تعتمد على عوامل عديدة، من بينها استقرار الوضع السياسي ووجود أمل بأن الأحداث المؤلمة التي وقعت في الماضي لن تتكرر”. وأوضح البطريرك أن إعادة إعمار البلدات والقرى المسيحية، الواقعة في الغالب شرق وشمال شرق الموصل، لم تترافق مع تعافٍ مماثل في عدد السكان. وأشار إلى أن نقص الخدمات الأساسية وفرص العمل، والخوف من التمييز، إضافة إلى التنافس بين مختلف القوى السياسية والعسكرية على السيطرة على سهل نينوى، كلها عوامل تسهم في إبطاء عودة العائلات المسيحية. وأقرّ البطريرك نونا خلال المقابلة بأن الوضع الأمني قد تحسن بصورة كبيرة، لكنه أكد أن آثار سنوات الحرب والهجرة وعدم الاستقرار لا تزال تؤثر في حياة المسيحيين. وأضاف أن الوضع الأمني اليوم “جيد بشكل عام”، وأن المناطق التي كانت تاريخيًا موطنًا للمسيحيين لم تعد تشهد الظروف الطارئة التي سادت عام 2014. لكنه أكد أن المخاوف ما زالت قائمة من احتمال أن ينجرّ العراق مرة أخرى إلى التوترات الإقليمية ويصبح ساحة مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران.
ويستذكر نونا، الذي كان آنذاك رئيس أساقفة الكنيسة الكلدانية في الموصل، العائلات وهي تفر بالمركبات أو سيرًا على الأقدام، و”الخوف الذي كان يملأ قلوبهم”. ويقول إن أحد أكبر هواجسه في تلك الليلة كان ضمان أن يدرك من بقي في القرى حجم الخطر ويغادرها قبل وصول الإرهابيين. ويضيف البطريرك: “كان بكاء الأطفال مؤلمًا بشكل خاص”. ويشير إلى أنه في ظل شلل المؤسسات آنذاك، اضطر الكهنة وقادة الكنيسة إلى تنظيم جهودهم لنقل العائلات إلى أماكن آمنة.
أما اليوم، فالوضع مختلف تمامًا. فلم يعد تنظيم داعش يسيطر على تلك المناطق، ويؤكد نونا أن المناطق التاريخية ذات الأغلبية المسيحية “لم تعد تعاني من المشكلات الأمنية التي كانت موجودة في الماضي”. ومع ذلك، فإن إعادة الإعمار المادي لم تُنهِ المشكلة الديموغرافية.
ويقول: “أكبر تحدٍ نواجهه هو أن جميع المسيحيين لم يعودوا إلى هذه المنطقة”.
فقد هاجر كثيرون نهائيًا خارج العراق، بينما فضّل آخرون الاستقرار في مناطق داخل البلاد يرونها أكثر استقرارًا.
ويؤكد البطريرك أن العودة الحقيقية تتطلب أكثر من إعادة بناء المنازل، إذ تحتاج العائلات إلى استقرار سياسي، وفرص عمل، وغياب التمييز، وضمانات كافية تمنحها الثقة بأن مأساة عام 2014 لن تتكرر.

شباب بلا أمل
لا تزال الهجرة تؤثر بصورة خاصة في الأجيال الشابة. ويرى نونا أن أخطر مشكلة تواجه الشباب العراقي هي “غياب الأمل”.
ويقول: “لقد فقد الشباب الأمل بالمستقبل، وبأرضهم، وبالوطن، وبدرجة ما، فقدوا الأمل في كل شيء تقريبًا”. ويضاف إلى ذلك نقص فرص العمل والصعوبات التي تحول دون إيجاد مكانة مستقرة في المجتمع. كما أن فكرة مغادرة البلاد تظل حاضرة باستمرار لدى الشباب المسيحي.
وتنعكس هذه الأوضاع حتى على تكوين الأسر الجديدة. فبحسب البطريرك، انخفض عدد الزيجات بشكل ملحوظ، لأن كثيرًا من الشباب يخططون للهجرة أو يرون أن مستقبلهم غير مستقر إلى درجة تمنعهم من الزواج والاستقرار داخل العراق. ويحذر نونا من أن هذا الواقع يهدد مستقبل البلاد نفسها، مضيفًا: “الشباب هم من يبنون الأوطان قبل كل شيء، ومن دون مشاركتهم والتزامهم يصبح المستقبل أكثر هشاشة”.
اجتماع للأساقفة بعد انقطاع دام خمس سنوات
في ظل هذه التحديات، يسعى البطريرك إلى تعزيز التعاون بين الكنائس الكاثوليكية المختلفة الموجودة في العراق. ففي 28 آب/أغسطس، ستعقد جمعية الأساقفة الكاثوليك في العراق اجتماعها في عنكاوا، قرب أربيل، وذلك للمرة الأولى منذ عام 2021. وسيناقش الاجتماع الوجود المسيحي وسبل حماية المجتمعات التاريخية المستقرة في العراق، إلى جانب قضايا تتعلق بالتعليم المسيحي، والمحاكم الكنسية، وأعمال منظمة كاريتاس.
ويرى نونا أن استئناف هذا العمل المشترك يكتسب أهمية خاصة في الظروف الحالية، مؤكدًا: “لا أحد يستطيع القيام بكل شيء بمفرده”.
كما أعرب البطريرك عن قلقه من انعكاسات التوتر بين الولايات المتحدة وإيران على العراق، ولا سيما في الجانب الاقتصادي. ورغم اعتباره أن الوضع الأمني الداخلي “جيد إلى حد كبير” في الوقت الراهن، فإنه يخشى أن يتحول العراق مجددًا إلى ساحة لصراعات خارجية.
وبالنسبة للمسيحيين، تبقى القضية الأساسية هي القدرة على البقاء في الأرض التي تعود جذور وجودهم فيها إلى القرون الأولى للمسيحية. وبعد الخسائر التي خلفتها الحروب والنزوح، يلخص نونا تطلعات أبناء طائفته بكلمات بسيطة:
“لقد سئموا الصراعات، ويريدون أن يعيشوا في سلام وطمأنينة”.

اقرأ أيضا: هرمز والقراءة الايرانية المختلفة (للمرور العابر)

عن فاتيكان نيوز

The post كاردينال نونا يحذر: فشل عودة المسيحيين هو التحدي الأكبر أمام العراق appeared first on جريدة المدى.

‫0 تعليق

اترك تعليقاً