كابوس مطروح

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

بعد عشرين عامًا من الغياب عنها، لا تزال مياهها الفيروزية تبوح بأسرار البحر الكبير، ولا تزال رمالها تحمل من ذكريات الزمن الجميل ملامح صور العائلات القادمة عبر عصور كانت فيها مطروح الوجهة الشعبية التي تترك آثارها محفورة في الأذهان.

 

اقرأ أيضا: القضاء يحظر لقب “القاضي” خارج السلطة القضائية والتنازل عن الشكاوى ضد المحامين

اخترت وجهتي المصيفية هذا العام إلى شواطئ لا تزال ملكًا عامًا للناس، شاطئ كليوباترا، شاطئ الغرام، شاطئ الأبيض، شاطئ أم الرخم، شاطئ عجيبة وصخرته التي رسمت ملامحها الجيولوجية عصور سجلت من التاريخ ما هو باقٍ بباطنها.

 

في زمن كنا نملك فيه البحر بلا رسوم وبلا تدخلات وبلا رزالات وبلا جبايات، كنت اصطحب أسرتي إلى هناك، نمضي في شوارعها البسيطة، نتنقل مثل كل الناس، نأكل التين البرشومي اللذيذ من على أشجارها، ونتعاطى البطيخ المطروحي ذا المذاق المدهش، وفي المساء نختار وجبة الأسماك البحرية طازجة من البحر إلى شوايات تنتشر في الشوارع.

 

لا يزال البحر كما هو بجماله الأخاذ، الرمال لم تلوثها أيادي الحكومة، والصخور المترامية هنا وهناك لا تزال تحتفظ بصور الأطفال والأمهات والشيوخ هناك عند شاطئ الغرام الأزرق، حمام كليوباترا باقٍ لم تنل منه أيادي الاستثمار الغاشمة، وأجمل ما في مطروح أنها لا تزال خارج سيطرة الكيو آر كود!

 

آخر مرة منذ عشرين عامًا كانت مطروح أكثر تهذيبًا ورقة، نالها ما نال الكثير من مناحي مصر، المدينة المهملة محاصرة بلا رصيف وبلا مرور وبلا وجود فعلي لإدارة الدولة إلا فيما يخص الرسوم، مدينة بلا رصيف فعلًا وكل ما فيها ينضح بالعشوائية، عشوائية تؤكد أنها خلت منذ عشرين عامًا من حاكم يراها كما كانت بهية، ندية، جميلة.

 

حكايات مطروح تشي بأن سيئا ما يجري حول جمالها، ربما تصل إليها أيادي المشترين الجدد، هؤلاء الذين ينتظرون سقوط السهم في بورصة تعاني من الديون والهموم وعرض كل شيء للبيع، شيء ما يدار في الخفاء بعيدًا عن أعين الملاك الأصليين، بعيدًا عن الشعب صاحب الأرض ومالك البحر وحارس الجمال.

 

تتردد الحكايات هنا على المقاهي، في مطاعم ملحقة بالجزارات، وحول شوايات الأسماك على النواصي، حكايات بلا وثائق، حكايات تستمد شرعيتها من ذلك الطاعون الذي نال من الملكية العامة واستولى عليها بأحكام صادرة من طبقة “الديّانة” الذين ينتظرون سقوط البقرة في بئر سحيق.

 

اقرأ أيضا: ترتيب الدوري السعودي قبل انطلاق الجولة الثانية

قال لي أحدهم إن وزير الوزراء  -يقصد رئيس الوزراء- زار مطروح، يحكي بوجوم غريب وبحزن عميق: بعد زيارته بدأت رحلات من ممثلي الإدارة تضع علامات على البيوت وعلى الشاليهات وعلى الأسوار وعلى المزارع وعلى كل ما هو قائم في شاطئ عجيبة.

 

يقول آخر، وعدونا بأن نبقى لمدة عامين ثم يأتي المالك الجديد، قصص بدون وثائق أو أوراق، قصص من الخوف، الخوف من انتزاع الإنسان من جذوره، رهبة من غربة على أرض الوطن الذي عاشوه وعاشهم وأحبوها وكان يحبهم، رعب من ذلك اللعين الذي أسموه كيو آر كود!

 

لا تزال أشجار الزيتون تطرح نورها ويسيل منها الذهب الأخضر، الأرض كما هي تحتفظ بجذور النعناع المطروحي المدهش، وشجرة التين باسقة تطرح من خيرات الله لذات للآكلين، ونباتات عطرية تفوح من جنبات الأرض الطيبة تبارك أهلها وتنعم عليهم بخيرات يعتاشون منها وعليها.

 

أسماء المدن الليبية تزين عقارات وبقالات وحوانيت وعصارات الزيتون، البضائع هنا خليط من مطروح وسيوة وليبيا، بلد يجمع من التاريخ أطيبه ويمزج من الجغرافيا عجائبها ويطرح على البشر قصصًا وحكايات مباركة، حكايات الإنسان مع الجمال والروعة والطبيعة.

الأغنياء الجدد

محاكمة خالد عبد الغفار

ومطروح التي سكنت الأساطير ودخلت المساكن وأصبحت صورًا على جدران البيوت كما هي رغم الإهمال، لا تزال حتى اللحظة ملكًا للناس، بشواطئها وبرمالها وبلون مياهها الفيروزية وتينها وزيتونها وإبداعها وطيبة أهلها وإطلالتها البديعة على ضفة المتوسط.

اقرأ أيضا: إزالة 15 حالة تعدٍ على الأراضي الزراعية وأملاك الدولة في الشرقية

‫0 تعليق

اترك تعليقاً