قناطر: شارع بشَّار والصَّعدةُ العظيمة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

طالب عبد العزيز

يُثني عددٌ من مستعملي الطريق الى (الصَّعدة) -حيث يصطفُّ باعةُ الخمرة- على جهود الشرطة التي طردتهم، وأغلقت النوافذ التي كانوا يبعيون دونهم، وكما لو أنَّهم أقدموا على عمل عظيم(رجال الشرطة) ناسين أنَّ هؤلاء الباعة سبق أن طردوا أكثر من مرة، وأغلقت النوافذُ عشرات المرات، وأنَّهم إنْ أغلقت الشرطة نافذةً، أو بيتاَ، سيجدون الطريقة التي يفتحون فيها أكثر من نافذة وبيت، فهذه أبواب يرتزق منها الجميع (باعةٌ وشرطةٌ ومتبضعون).
والصَّعدة لمن لا يعرفها مرقاةُ ومصعدةٌ الى بيوت، ترتفع قليلاً عن الأرض، يسكنها نفرٌ توارثوا السكنى فيها؛ منذ عشرات السنين، فهي زُقاق صغير يتزقق من شارع بشار بن برد الشهير، حيث تُباعُ هناك دِنانُ وزِقاقُ الخمرة الصحيحة، والمغشوشة، يتسلمها متبضعو أولَ الليل من باعة جُلّهم من الفقراء(رجال ونساء وصبيان وصبية) في آلية، غير محمودة، غالباً ما تغضُّ الشرطة أعينها عنهم، وبعد فهي مقصد المئات والآلاف من شاربيها، الذين يجدون فيها متعتهم، وخلاصهم من زوجاتهم أولاً، ومن الأداء السياسي السيء ثانياً، وربما من الحياة الزفرة ثالثاً، وهكذا، فالصَّعدة مكان ناتئُ في جغرافيا المكان، صيّرته الظروف الغبية، والقرارات الخاطئة، التي لا تستدلُّ بالتاريخ، ولا تستعين برجال القوانين، ولا تهتدي بالمفكرين، ولا يصغي أصحابُها الى نداء العقل، وأهل الرأي والمشورة.
قبل نحو من مئة وخمسين سنة ربما؛ أو يزيد كانت الحكومة العثمانية قد خصَّت بناتَ الليل في البصرة، بالمكان المستقطع هذا، وجعلت منه فرصةً لطالبي المتع المستعجلة، ثم أتاحت للغرض هذا أكثر من مكان في البصرة القديمة والعشار، ويعرف البصريون أمكنة مثل الحكاكة والدوب ودور الطرب فيما بعد التي عند سكة الحديد على الطريق الى سفوان، وغير خاف على أحد أنها باتت معلومة عند الحكومات المتعاقبة، وهناك مركز للشرطة قريب، ومستوصف صغير؛ كانا فاعلين حتى وقت قريب إلا أنَّ الحملة الايمانية التي قادها صدام حسين ومقاتلو جيش القدس منتصف التسعينات من القرن الماضي أتت على المكان، والمتع الرخيصة تلك، فقتلت النساء الغانيات، والقيت رؤوسهن تحت أعمدة الكهرباء، واختضت المدينة رعباً، في مشهد يعيد الينا صور الرعب التي كانت تفعله الجيوش الغازية.
من حيث المبدأ قد يكون فعل الشرطة باغلاق البيوت ومنع باعة الخمرة عملاً من أعمال تنظيم الشوارع، والضواحي السكنية، والعناية بالمدينة، أمناً وخلقاً، وهو مطلب يتطلع الناس اليه، لكنها لن تستطيع، وقد باءت كلُّ أفعالها في السابقة بالفشل، فالخمرة مباحةٌ، متاحة، لطالبيها، منذ أن خلق الله الانسان وابتلاه بحبّها، وهناك أكثر من صعدة في البصرة وغيرها، ولا يشكو ابن القرنة من فقدها حين يطلبها، وكذلك يكون ابن الفاو والزبير وأم قصر، فضلاً عن وجودها وسط المدينة، في البيوت المهجورة، والازقة المنتهكة، والمحال العاطلة، والخرائب الكثيرة، وهكذا، فأنَّ أيَّ فعلٍ مرتجل من البلدية أو الحكومة أو الشرطة لن يجدي نفعاً ما لم تعتمد الآلية الصحيحة في التعامل مع مواضيع كهذه.
ليست الحاجة الى الخمرة وليدة اليوم؛ هي حاجة قائمة في النفس الإنسانية منذ آلاف السنين، ولم تستطع أعتى السلطات والأديان والقوانين منعها، وهي تجارة تدرُّ الملايين على باعتها يومياً في العالم كله، وهي مصدر معلوم في تعظيم الاقتصاديات، وبعد فهي الفرصة المناسبة أو الوحيدة التي يجد العراقيُّ خلاصه فيها، وإذا كانت الشرطة قد استولت ولو لأسبوع على صعدة شاعر بشار العظيمة؛ فسينشئ أصحابُها أكثر من صعدة لجيوبهم ومسراتنا، فالبصرة بلا صعدة ليست بصرة.

اقرأ أيضا: اليوم، إعلان نتيجة تنسيق المرحلة الثانية لطلاب الثانوية العامة

The post قناطر: شارع بشَّار والصَّعدةُ العظيمة appeared first on جريدة المدى.

‫0 تعليق

اترك تعليقاً