عقيدة “فافو”: من وهم الردع المباشر إلى مستنقع التنازلات مع إيران

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

  أكرم بزي

اقرأ أيضا: آخر موعد ورسوم الاشتراك في كأس مصر 2026-2027

شهد الخطاب الاستراتيجي للإدارة الأميركية تحولاً دراماتيكياً انتقل به من انطباعات التراجع والتردد السابقة إلى تبني سياسة القوة العارية والحسم المباشر، وهو التحول الاستراتيجي والسياسي الذي رصدته المتابعات التحليلية لصحيفة “فاينانشيال تايمز” عند مقاطعتها بين مقولة “ترامب يتراجع دائماً” التي سادت الأسواق والمحافل الدولية في فترات سابقة، وبين الانتقال المباشر نحو ما باتت تعرف بـ”عقيدة فافو”. وتقوم هذه العقيدة في جوهرها على مبدأ الردع المباشر والشديد، واستخدام الضغط القاسي وغير المتناسب لإجبار الخصوم على التراجع الفوري فور تجاوزهم للخطوط الحمراء المفترضة، مع تعمد خلق حالة من عدم التنبؤ الاستراتيجي وتجاوز القنوات الديبلوماسية التقليدية المطولة لمصلحة الخيارات الخاطفة.
غير أن التقييم العملي والتطبيقي لهذه العقيدة أظهر حدوداً هيكلية واضحة واختلالاتٍ عميقة في الحسابات الأميركية؛ فبينما نجحت هذه الاستراتيجية الردعية في ساحات جغرافية واجهت فيها واشنطن أطرافاً محدودة الإمكانات لا تملك القدرة على الرد الشامل أو فتح جبهات مواجهة واسعة مثل فنزويلا، أثبتت التجربة الميدانية فشلها الذريع وغير المتوقع في المواجهة المباشرة مع إيران. لقد انتقلت إدارة ترامب من خيارات المسار الديبلوماسي والتفاوضي إلى ترجيح الخيار العسكري المباشر والمباغت، إلا أن نتائج الحرب وتفاعلاتها الميدانية لم تتوافق إطلاقاً مع التطلعات والحسابات الأميركية المفترضة، لتنقلب المعادلة الاستراتيجية ميدانياً وتصبح طهران هي صاحبة اليد العليا والتحكم الفعلي بمسارات الملاحة والتصعيد داخل مضيق هرمز.
إن هذا التحول الحاد في موازين القوى والتكتيكات البحرية دفع طهران إلى رفع سقف مطالبها السياسية والأمنية بصورة غير مسبوقة، فلم تكتفِ برفض الشروط الأميركية أو امتصاص الضربات الأولى فحسب، بل امتدت مطالبها لتشمل الحصول على تعويضات مالية وسياسية صريحة، مع المطالبة الجادة بسحب القوات العسكرية الأميركية بالكامل من محيط المنطقة والإقليم. وهذا الواقع الميداني الجديد يضع الولايات المتحدة أمام خيارات معقّدة أحلاها مر، بحيث أصبحت مهددة بالاقتراب من قبول تقديم تنازلات واسعة وغير مسبوقة لم تكن مطروحة في الأصل، فقط للتمكن من الخروج الآمن من آتون هذه المواجهة العسكرية والاستنزاف الاقتصادي والميداني المتصاعد.
وتتحمل طريقة إدارة ترامب للصراع ومجرياته الميدانية جانباً رئيساً من هذه النتائج العكسية والانتكاسات الاستراتيجية، إذ كشفت التطورات عن قرارات متسرعة اعتمدت على عنصر المفاجأة وحده، وتجاهلت عمداً التحذيرات العسكرية والاستخباراتية المتكررة المتعلقة بحساسية مضيق هرمز ومخاطر إغلاقه أو شلّ الملاحة فيه، فضلاً عن الانفراد بالقرار وغياب التشاور الكافي والمنسق مع الحلفاء الدوليين والإقليميين الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة تداعيات غير محسوبة.
وفي النهاية، تحولت “عقيدة فافو” من مجرد أداة حاسمة لفرض الشروط وإملاء الإرادة الأميركية على الخصوم، إلى عامل ضغط عكسي وكاشف لحدود القوة الأميركية؛ إذ بدلاً من أن تسفر سياسة القوة المباشرة عن إخضاع الخصم، انتهت بوضع الموقف الأميركي في موقع الدفاع والبحث عن مسارات سياسية وتسويات معقدة للخروج بأقل الخسائر الممكنة بدلاً من تحقيق الحسم المرجو.

‫0 تعليق

اترك تعليقاً