أحمد حسن
أثناء متابعتي للنقاشات اليومية في العراق، لاحظت أمراً يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يطرح تساؤلات جوهرية؛ إذ يتحدث العراقيون عن الأزمات ذاتها منذ سنوات طويلة؛ كالفساد، وضعف الدولة، والطائفية، والفشل السياسي، بيد أن الغريب هو ثبات أسلوب الطرح وتكراره.
تتغير الحكومات وتتبدل الأحزاب والشخصيات، لكن لغة تفسيرنا للواقع تظل ثابتة، وكأننا لا ننتقل من أزمة إلى أخرى، بل نواصل توليد الأزمة نفسها بقوالب جديدة. في البداية، ظننت أن المأزق يكمن في الأشخاص، لكن مع الوقت تنامى لدي إحساس بأن المسألة أبعد من ذلك؛ فربما لا يعود السبب إلى من يدير الدولة، بل إلى الطريقة التي ننظر بها إلى مفهوم الدولة أصلاً.
عاد بي هذا التساؤل بقوة وأنا أقرأ مفهوم “دائرة الوعي المغلقة” الذي طرحه الباحث الأنثروبولوجي سعدون محسن ضمد في أطروحته للدكتوراه التي تحولت لاحقاً إلى كتاب. لم أقف طويلاً عند الجانب الفيزيائي والفلسفي للمفهوم، بقدر ما جذبني مدخل مغاير: ماذا لو لم تكن دائرة الوعي محصورة داخل عقل الفرد؟ ماذا لو أصبحت دائرة يعيش داخلها مجتمع كامل؟ وماذا لو كانت معاناة بعض المجتمعات لا تكمن في أزماتها السياسية أو الاقتصادية، بل في رؤيتها الذهنية للعالم التي تجعلها تستنسخ أزماتها باستمرار؟ هنا بدأت أفكر بالعراق.
لا يبني الإنسان أفكاره من العدم؛ فهو يحمل ذاكرته وتجاربه ومخاوفه وتاريخه، ومن خلالها يفسر الواقع. فحتى أكثر الأفكار خيالاً لا تنفصل تماماً عن العالم الذي عاشه الفرد، بل هي إعادة هيكلة لعناصر موجودة مسبقاً في وعيه. وتتعاظم المعضلة حين يتحول هذا الوعي الفردي إلى وعي جماعي، وحين ينظر المجتمع بكامله إلى العالم عبر النافذة ذاتها، عاجزاً أو رافضاً النظر من نوافذ أخرى.
ومن هنا بدأتُ البحث عن وسيلة فحص تساعدني على قراءة هذه الدائرة، فجاءت فكرة تبسيط “دائرة الوعي المغلقة” وتشبيهها بـ “درنفيس الفحص”؛ وهي مفردةٌ أستعيرها من الحياة اليومية العراقية، حيث يُشير “الدرنفيس” إلى الأداة الصغيرة التي يستخدمها الكهربائي للكشف عن وجود التيار وتحديد مكان الخلل. هو لا يبني شبكة كهرباء جديدة ولا يصلح العطل بنفسه، لكنه يؤدي الخطوة التي تسبق كل إصلاح؛ وهي تحديد موضع المشكلة.
وعليه، فقد اعتدنا في العراق على فحص الدولة، والحكومات، والأحزاب، والقوانين، لكننا نادراً ما نتوقف عند الهاجس الأصعب: من سيفحص الوعي الذي أنتج هذه الدولة وهذه الحكومات وهذه القوانين؟
إن “الدرنفيس” هنا لا يمثل مدخلاً مباشراً لإصلاح الواقع، بل هو وسيطٌ أو عدسةٌ تكشف الطريقة التي نفهم بها هذا الواقع. إنه يحاول الوصول إلى الطبقة الأكثر غَوْراً التي تسبق السياسة والاقتصاد والمؤسسات؛ تلك الطبقة التي تتشكل فيها الأفكار والأنماط الذهنية التي تحدد رؤية الإنسان لذاته، وطريقة ظنه بالآخرين، وأسلوب تعاطيه مع الدولة والقانون والمجتمع.
حين يفشل نظامٌ سياسي، يتبادر إلى الأذهان عادةً تساؤلات من نوع: من المسؤول؟ ومن أخطأ؟ ومن يجب أن يرحل؟ لكننا نادراً ما نطرح السؤال الجوهري: لماذا أنتج المجتمع هذا النوع من الأنظمة؟ وهنا يظهر معنى “دائرة الوعي المغلقة”؛ فالإنسان قد يرى المشكلة، لكنه لا يرى الإطار الفكري الذي يجعله يفسرها بالطريقة نفسها في كل مرة. قد ينتقد الفساد دون أن يسأل عن الثقافة التي جعلته مقبولاً، ويطالب بدولة قوية دون أن ينتبه إلى أنه في حياته اليومية يبحث عن الحماية عبر العلاقات الشخصية بدلاً من المؤسسات. وفي العراق يبدو هذا التنافر او المفارقة واضحة.
شهد النظام السياسي ومؤسسات الدولة تغييرات جذرية بعد عام 2003، وظهرت مساحات واسعة للحرية والتعبير؛ إلا أن أنماط التفكير القديمة ظلت حاضرة، إذ وجدت الدولة الجديدة نفسها أمام مجتمع مثقل بتجارب طويلة من الخوف وانعدام الثقة، مما جعل الأفراد يميلون إلى الاحتماء بالجماعة بدلاً من القانون.
وعندما تضعف المؤسسات، يلجأ الفرد إلى بدائل قريبة كالعشيرة أو الطائفة أو الشخصيات النافذة، فالوعي الذي تشكّل عبر عقود لم يعتد بعد على اعتبار المؤسسة مصدراً حقيقياً للحماية. إن الإشكال لا يكمن في وجود العائلة أو الانتماء الاجتماعي بحد ذاته، فهذه مكونات موجودة في كل المجتمعات، بل يبدأ حين تتحول هذه الانتماءات إلى بديل عن الدولة، ويصبح الولاء الضيق أقوى من المصلحة العامة.
وهذا ما يكشفه “الدرنفيس”؛ إذ يُعرّي الأفكار التي تمكّن الأفراد من استنساخ النظام ذاته؛ فالمسؤول يتغير، لكن عقلية التفكير التي أنتجته باقية، والقانون قد يُستبدل، لكن ثقافة التعامل معه تظل على حالها، والمؤسسات تُبنى، لكن الإنسان الذي يديرها قد يحمل معه المنطق القديم نفسه.
ولعل هذا ما يفسر لماذا لا تكفي الإصلاحات السياسية وحدها؛ فإصلاح المؤسسات دون إصلاح الوعي يشبه تغيير الأسلاك الكهربائية مع بقاء الخلل في مصدر التيار، فالخلل لا يقتصر دائماً على الشكل الخارجي، بل يكمن في “الطاقة” التي تحرّكه.
لم ينظر كارل ماركس إلى التاريخ كسلسلة أحداث منفصلة، بل رأى خلفها صراعات اجتماعية واقتصادية تُشكّل حركة المجتمعات، بينما أدرك ميشيل فوكو أن السلطة تتجاوز القصور والأجهزة الرسمية لتتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية، في حين كشف فرويد عن جانب آخر من الإشكالية، مُبيناً أن الإنسان ليس دائماً سيداً على قراره، لوجود منطقة خفية في داخله تُدعى “اللاوعي”.
لعل السؤال الجامع لهذه الرؤى هو: كيف يتشكل الوعي الذي يجعل الإنسان يرى العالم من منظور محدد؟ وهنا تكمن أهمية «دائرة الوعي المغلقة» التي أسميتها «درنفيس الفحص»؛ فهي لا تطرح أسئلة من قبيل: من يملك السلطة أو المال؟ أو من يسيطر على الدولة؟ بل تغوص في تساؤلٍ أعمق: ما الحدود غير المرئية التي تجعل الإنسان عاجزاً عن تخيّل واقعٍ مغاير؟
وهذا ما نلمسه في العراق؛ إذ نتحدث كثيراً عن الدولة بوصفها كياناً منفصلاً عن المجتمع، ونطالب بمؤسسات قوية وقضاء مستقل وقوانين عادلة -وهو أمر ضروري- لكن ما يسبق ذلك هو التساؤل عن هوية الشخص الذي سيدير هذه المؤسسات، وعن الثقافة التي ستُوجّه عمله؛ فالدولة الحديثة لا تُبنى بالقوانين وحدها، بل بالعقلية التي تؤمن بها.
قد تمتلك الدولة أرقى الدساتير، ولكن ما دامت نظرة المواطن للقانون كونه عائقاً لا حماية، وللوظيفة امتيازاً شخصياً لا مسؤولية، وللمؤسسة وسيلةً لتحقيق المنفعة لا لخدمة الصالح العام؛ فإن الأزمة ستظل قائمة.
اقرأ أيضا: قناطر: التبليط والحفر.. الى متى؟
The post سعدون ضمد ومحاولة فحص الوعي العراقي appeared first on جريدة المدى.
