دولة بلا رأس

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

   الدكتور بول الحامض – رئيس جمعية الإرشاد والتثقيف الوطني

هل بتنا في دولة تحكمها المافيا؟ الشعب اللبناني يمثّلْ القانون ويمتثل له، وهم يمثلون على الشعب ويتنّكرون للدستور وللقوانين المرعية الإجراء. صدق الدكتور جواد بولس عندما قال “إنّ السياسة الرشيدة هي نتيجة الاختبار، التاريخ هو سياسة الماضي وسياسة الحاضر هو تاريخ المستقبل، التاريخ المعوّل عليه كمدرسة سياسية واجتماعية هو غير التاريخ التقليدي أو العادي الذي يكتفي بسرد الوقائع … الإنسان لا يفهم حاضره إلا بماضيه وماضيه إلا بحاضره…” . 
دولة بلا رأس تاريخها مليء بالأحداث الأليمة: أ- سنة 1860 كانت الدولة ضحية الصراع العثماني – الأوروبي، ب – سنة 1874 كانت الدولة  ضحية المتصرفية، ج – سنة 1919 كانت الدولة ضحية النزاع العربي الأوروبي، د – سنة 1985 كانت الدولة ضحية الرغبات الوحدوية، ه – سنة 1969 كانت الدولة ضحية اتفاقية القاهرة واتفاقية ملكارت، و – سنة 1975 كانت الدولة ضحية الخلافات والانقسامات السياسية وتعثُّرْ الحلول. ولا تزال الدولة اللبنانية الجزء الأكثر دموية في العالم فيما يزداد عدد القتلى والبيوت المدمرة والناس المشرّدة.
دولة بلا رأس وهي ضحية الانقسامات والصراعات، علماً بأنّ الجغرافيا اللبنانية هي من أهم المواقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط؛ وهذه الدولة هي الأكثر تنوعاً من حيث الثقافة والحضارة. لكن بسبب ضعف الحكام أصبحت الدولة تُعاني من قحط قيادي ووجدت نفسها لسنين طويلة كما أسلفتْ أسيرة للأزمات والصراعات التي استنزفت قدراتها وأعاقت فعلياً تقدمها.
دولة بلا رأس تعاني من وجود تدخلات خارجية وقوى عسكرية غير شرعية تأتمر بالخارج، وعملياً ساهمت هذه الميليشيات -وكلٌ واحدة على طريقتها- في إضعاف الدولة وسلطتها وتعميق الانقسامات والطائفية والمذهبية، وألقت بظلالها الثقيلة على أوضاع اللبنانيين التي بلغت حد البطالة والهجرة والتقاتل الداخلي، كما فسد الاقتصاد وضاع مستقبل الأجيال الشبابية.

اقرأ أيضا: محافظ القاهرة يتفقد ورش النقل العام بجسر السويس

دولة بلا رأس هدمتها السياسات العميلة المغلفة بنظام ميليشياوي؛ وهذه الميليشيات ورطت الدولة في صراعات داخلية وإقليمية ودولية لا مصلحة مباشرة للدولة فيها، ما جعلها عرضة للمشاكل والاحتلالات والحرب المدمرة. والمواجهة الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله بإرادة الإيرانيين خير دليل على ذلك، وقد دفع اللبنانيون عامة والشيعة الثمن من استقرارهم واقتصادهم ومالهم وأرزاقهم، كما تعرضت القرى الأمامية للدمار الشامل ويُمنع الأهالي من العودة، ويأتيك من يدعي الانتصار ويطالب بالمساعدة والتعويض متناسياً أنه السبب في هذه المأساة، فعلاً “اللي استحوا ماتوا”.

أمام هذا الواقع الأليم لا بد من أخذ المبادرة لتحدي واقع الأزمة اللبنانية المتشابكة الأهواء والمصالح المتداخلة في لهيب الإقطاعيات (المسيحية – المسيحية، والإسلامية – الإسلامية)؛ إنه تحدٍّ من أجل تغيير المعادلة السياسية الروتينية التي شجعت المصالح الخاصة الفردية باتجاه المصالح الوطنية ومناعة الدولة، دولة القانون والمؤسسات. مؤسسات الدولة تدنت مستوياتها وإمكانياتها المادية والمعنوية بفعل تضخم واردات مصالح الطوائف والمذاهب ومصالح السياسيين على حساب مصلحة الوطن وخزينة الوطن والمواطن… من هنا يجب السعي لتصويب الأهداف نحو: واجب رفع راية الدولة، دولة القانون ومؤسسات الدولة الشرعية المدنية والعسكرية وفي طليعتها الرئاسات الثلاث: رئاسة الجمهورية، رئاسة الحكومة، رئاسة مجلس النواب، والمؤسسات الأمنية الشرعية والقضاء.

اقرأ أيضا: تحالف المال والسلاح في شرق أوسط بلا نظام أمني

عملياً هناك ظروف سياسية خارجة عن إرادتنا ومتجاوزة لأعمالنا، ولكن لن نستسلم. سيكون سعينا الدؤوب لإرادة عيش مشترك يحكم العلاقات بين اللبنانيين، لأن العيش المشترك هو اختيار كل لبناني شريف ورجاؤه قبل أن يكون قدره. وليكن معلوماً عند الجميع -خصوصاً هؤلاء العملاء- أنه لا وحدة وطنية في غياب التمثيل النيابي السليم على مختلف المستويات، وأن تصحيح الخلل ضروري لقيام نظام سياسي ديمقراطي كي يشارك الجميع في نهضة الدولة والمجتمع.

صدق رياض الصلح: «لا يستقيم لوطن كيان واستقلال ما لم تنبض له قلوب بنيه جميعاً؛ فالقلوب الوطنية هي خير سياج للوطن… فرائدنا الأول في تنظيم هذا الاستقلال سيكون إذن تأليب قلوب جميع اللبنانيين على حب وطنهم…». المطلوب اليوم قيادات سياسية وطنية مستقلة تعالج الأزمات بجرأة، مؤلفة من لبنانيين خلصاء أصفياء لا يرون وطناً ولا مبدأً ولا عقيدة فوق لبنان والعقيدة اللبنانية، ويرون في هذه الدولة وطنهم الدائم النهائي، غير قابلة للتجزئة وغير قابلة للنعوت… وإلا سنبقى في دولة بلا رأس.

المقاربة الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة “النهار” الاعلامية

‫0 تعليق

اترك تعليقاً