إذا كان المتحالفون الثلاثة يعلنون أن اتفاق مكة يهدف إلى بناء نظام أمني جديد في الشرق الأوسط، فإن الملاحظ أنها لا تتعامل مباشرة مع أبرز مصادر اختلال النظام القائم بالمنطقة، والذي يتمثل في إسرائيل، والوجود العسكري الأمريكي، والصراع الإسرائيلي-الإيراني
قد تبدو اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، التي وقعت في 7 أغسطس 2026، وكأنها خطوة باتجاه تشكيل منظومة أمنية إقليمية جديدة. غير أن قراءة أكثر تدقيقًا تكشف أن أهميتها الحقيقية قد تكون أقل من ذلك وأكثر تعقيدًا، فهي لا تعيد بناء النظام الأمني في الشرق الأوسط بقدر ما تعكس محاولة من ثلاث قوى إقليمية لإعادة توزيع أعباء الأمن وتقليل مخاطر الاعتماد على طرف خارجي واحد.
اقرأ أيضا: الإحصاء: 47.1% نسبة مساهمة الشباب في قوة العمل
الاتفاقية تنص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجومًا عليها جميعًا، وبحسبما أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان فإن صياغة الاتفاقية جاءت مماثلة تقنيًا لمبدأ الدفاع الجماعي في المادة الخامسة من حلف الناتو..
لكن الدول الثلاث -بحسب فيدان- ستتشاور بشأن درجة وشكل ونطاق الدعم الذي ستقدمه الدولة المعتدى عليها، وبحسب التصريحات الصادرة عن قادة الدول الثلاث فإن الاتفاقية ليست موجهة ضد إيران أو أي دولة أخرى، وأنها لا تستهدف استبدال التحالفات القائمة، وهنا يكمن بيت القصيد.
فإذا كان المتحالفون الثلاثة يعلنون أن الاتفاقية تهدف إلى بناء نظام أمني جديد في الشرق الأوسط، فإن الملاحظ عليها أنها لا تتعامل مباشرة مع أبرز مصادر اختلال النظام القائم بالمنطقة، والذي يتمثل في إسرائيل، والوجود العسكري الأمريكي، والصراع الإسرائيلي-الإيراني..
وقبل كل ذلك القضية الفلسطينية. فالشرق الأوسط الذي ولدت فيه الاتفاقية ليس منطقة تفتقر إلى التحالفات الدفاعية فحسب؛ بل منطقة تعاني من غياب توافق حول من يشكل التهديد الرئيسي ومن يمتلك حق استخدام القوة ومن يضع قواعد الأمن الإقليمي.
فخلال عام 2025 وحده، تعرضت قطر، وهي دولة خليجية حليفة للولايات المتحدة وتستضيف قاعدة العديد، لضربة إسرائيلية استهدفت قيادات من حماس في الدوحة، وقد أثارت الضربة إدانة سعودية وتركية واسعة باعتبارها انتهاكًا للسيادة القطرية.
وبعد أسابيع، أبلغ البيت الأبيض أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قدم اعتذارًا لقطر عن انتهاك سيادتها، وقد ذلك شهد عام 2026 سلسلة الانتهاكات الإيرانية للأرضي الخليجية في إطار الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وقد كان لذلك كله وزن مباشر في إعادة التفكير الخليجي في الأمن في ظل تزايد الشكوك الخليجية حول موثوقية الولايات المتحدة كضامن أمني.
لكن المفارقة أن اتفاقية مكة لا تقدم إجابة واضحة عن السؤال الذي أثاره ذلك التطور مثل: ماذا تفعل الدول الثلاث إذا تعرضت دولة خليجية لاعتداء إسرائيلي؟ وهذه ليست مسألة افتراضية تمامًا بعد أن انتقلت الضربات الإسرائيلية إلى ساحات خارج إسرائيل وفلسطين، وأصبحت السيادة الإقليمية نفسها جزءًا من الصراع. لذلك فإن استثناء إسرائيل من أي تعريف واضح للتهديد يجعل الاتفاقية، في أفضل الأحوال، ترتيبًا دفاعيًا جزئيًا داخل نظام أمني مضطرب، لا نظامًا بديلًا له.
المشكلة الثانية أن الاتفاقية لا تنهي المظلة الأمنية الأمريكية، ولا يبدو أنها تستهدف ذلك أصلًا. فالولايات المتحدة ما زالت تمتلك حضورًا عسكريًا واسعًا في الشرق الأوسط؛ وقد أحصى تقرير لخدمة أبحاث الكونغرس الأمريكية، استنادًا إلى بيانات 2024، ثماني قواعد أمريكية دائمة و11 موقعًا عسكريًا آخر تتمتع وزارة الدفاع الأمريكية بإمكانية الوصول إليها في المنطقة، مع آلاف العسكريين المنتشرين بصورة دائمة أو دورية.
وكانت البحرين وحدها تضم نحو 3,479 عسكريًا أمريكيًا ضمن الانتشار الدائم في مارس 2024، إضافة إلى وجود عسكري كبير في السعودية والأردن وغيرها.
والأهم أن تركيا نفسها عضو في الناتو، وبالتالي فهي لا تدخل الاتفاقية من موقع دولة خارجة عن منظومة أمن غربية، بل من داخلها. لهذا فإن وصف الاتفاقية بأنها بداية استقلال استراتيجي للمنطقة يحتاج إلى قدر من التحفظ. الأدق أنها تمثل تنويعًا لمصادر الأمن وليس فك ارتباط بالولايات المتحدة.
فالسعودية تريد خيارات إضافية إذا ترددت واشنطن أو اختلفت أولوياتها مع الرياض، لكنها لا تبدو راغبة في التخلي عن العلاقات الأمنية الأمريكية. وتركيا تريد هامش مناورة أوسع، لكنها لا تغادر الناتو. وباكستان نفسها لا تدخل في مواجهة مع الولايات المتحدة.
مذهبيًا، ثمة بعد آخر يصعب تجاهله فالدول الثلاث ذات أغلبية سنية، بينما تأتي الاتفاقية في لحظة صراع مفتوح بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. وقد وصفت رويترز الترتيب عند توقيعه بأنه جمع لقوى سنية في وقت تتعرض فيه دول الخليج لهجمات صاروخية إيرانية..
في حين شددت أنقرة على أن الاتفاقية ليست موجهة ضد إيران، لكن طهران باتت ترى أمامها تجميعًا للقدرات السعودية والتركية إذ قد تدخل الاتفاقية عمليًا في حسابات الاستقطاب السني-الشيعي، حتى لو لم تنص وثائقها على ذلك.
ربما يكون الجانب الأكثر واقعية في الاتفاقية هو بعدها الاقتصادي- العسكري؛ فالسعودية تبحث عن تنويع مصادر أمنها وتوطين صناعاتها الدفاعية، تركيا تمتلك صناعة عسكرية متقدمة وتسعى إلى توسيع أسواقها، وباكستان تحتاج إلى تعظيم قيمة قدراتها العسكرية وعلاقاتها الاستراتيجية مع الخليج.
اقرأ أيضا: برشلونة يراقب نجم منتخب إسبانيا
وعلى هذا يمكن قراءة الاتفاقية الجديدة باعتبارها تبادلًا استراتيجيًا بين المال والقوة والتكنولوجيا، فالسعودية توفر رأس المال والسوق، تركيا توفر التكنولوجيا والصناعة الدفاعية، وباكستان توفر العمق العسكري والردعي، وهذه الصيغة قد تكون أكثر واقعية من الحديث عن تحالف أيديولوجي أو عسكري متجانس.
غير أن ثمة معضلة أساسية أمام إسلام أباد التي تبدو مرتبطة بالخليج، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى الاستقرار على حدودها الغربية مع إيران وأفغانستان. ففي 2026، تعرضت السعودية لهجمات إيرانية في سياق الحرب الإقليمية، ومع ذلك لم يتم تفعيل الاتفاقية السعودية- الباكستانية السابقة ولم تتدخل باكستاني مباشر بما يمثل سابقة مهمة تضعف بدورها فكرة أن مجرد النص على أن “الهجوم على أحد هو هجوم على الجميع” يعني بالضرورة تدخلًا عسكريًا تلقائيًا.
ومن المفارقات أن توقيع الاتفاقية يأتي في الوقت الذي تتجه فيه الرياض نفسها إلى استخدام الدبلوماسية مع طهران، ففي أغسطس 2026، وبينما كانت إيران تحذر دول الخليج من تداعيات استمرار الضربات الأمريكية، كانت السعودية تدفع باتجاه وقف التصعيد والتفاوض.
وفي الوقت نفسه، كانت هناك مفاوضات إيرانية- عمانية بشأن إعادة فتح مضيق هرمز، بما يعني أن السعودية لا تتعامل مع إيران بمنطق عسكري صرف، بقدر ما تفعل شيئًا أكثر تعقيدًا وهو الردع مع إبقاء باب التفاوض مفتوحًا.
ومن هذه الزاوية، قد تكون اتفاقية مكة جزءًا من سياسة التحوط الاستراتيجي أكثر منها تأسيسًا لمحور مضاد لإيران. لكن نجاح هذه السياسة يتوقف على قدرة الرياض على منع الترتيب العسكري الجديد من التحول إلى أداة لاستقطاب المنطقة بدلًا من تحقيق التوازن فيها. وهذه المشكلة التي لا تحلها الاتفاقية، فالمعضلة الأساسية تتمثل في أن الاتفاقية تتعامل مع أعراض أزمة الأمن الإقليمي أكثر مما تتعامل مع أسبابها.
لبنان من إنهاء الصراع إلى إدارة الأزمة
ترامب أم إيران.. أيهما أخطر على الشرق الأوسط؟
في هذا السياق، ففي حين تزيد الاتفاقية من خيارات الرياض الدفاعية، لكنها لا تعالج سؤال الوجود العسكري الأمريكي. وفي حين تربط الاتفاقية تركيا وباكستان بالسعودية، لكنها لا تحسم علاقة المنطقة بإيران. وفي حين انها تجمع ثلاث دول سنية، لكنها لا تقدم إطارًا للتعامل مع الاستقطاب الطائفي. وأيضا في حين تعزز التعاون العسكري، لكنها لا تعالج غياب مؤسسة إقليمية جامعة للأمن.
وفي المحصلة ربما تزيد الاتفاقية قدرة دولها على حماية نفسها، من دون أن تزيد بالضرورة قدرة الشرق الأوسط على حل صراعاته. وهذا هو الفرق بين تحالف دفاعي ونظام أمني. والله أعلم.
اقرأ أيضا: بعد ارتفاع التضخم إلى 13% خلال يوليو 2026، كيف يتعامل السوق المصري مع ضغوط الأسعار؟
