iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}
كشفت الغارات الإسرائيلية على مطار أبو الظهور العسكري، الثلاثاء، جانباً غير معلن من الاتصالات بين دمشق وتل أبيب. فقبل أربعة أيام من الضربة، أجرى رئيس جهاز “الموساد” رومان غوفمان اتصالاً هاتفياً بوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، ناقشا خلاله الوجود العسكري التركي في سوريا والدعم الذي تقدمه أنقرة للجيش السوري، وفق ثلاثة مصادر تحدثت إلى “رويترز”.
اقرأ أيضا: الحوثي تعلن استهداف مطار نجران ومنشأة لـ”أرامكو” جنوب السعودية
ويحمل الاتصال دلالة سياسية تتجاوز توقيته. فهو أول كشف علني عن مكالمة مباشرة بين رئيس “الموساد” ووزير الخارجية السوري، وأحد أرفع الاتصالات المعروفة بين إسرائيل وإدارة الرئيس أحمد الشرع. كما أن الرجلين لم يفتحا قناة طوارئ جديدة، إذ شارك غوفمان، بصفته السابقة سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في مفاوضات باريس التي حضرها الشيباني في كانون الثاني/يناير.
#Analysis#
تحذير وصل… ولم يُقبل
جاء الاتصال عندما انتقل الخلاف على الدور التركي من طاولة المفاوضات إلى مطار أبو الظهور. وتركزت أسئلة غوفمان، وفق “رويترز”، على زيادة الوجود العسكري التركي والأسلحة والمسيّرات والدعم المقدم إلى الجيش السوري. وبعد المكالمة، زار ضباط أتراك المطار في إطار التعاون العسكري مع دمشق، ثم استهدفته الغارات بعد ساعات من مغادرة الوفد التركي.
وقال نتنياهو بعد الضربة إن إسرائيل حذرت من تمركز عسكري تركي يهددها، وإن “الرسالة” لم تُفهم، لذلك جعلتها أكثر وضوحاً. وفي المقابل، قال الشيباني لـ”أكسيوس” إن دمشق شرحت للإسرائيليين طبيعة الأعمال في المطار، وأكدت بقاءه تحت السيادة السورية وعدم وجود خطة لإنشاء قاعدة تركية أو انتشار تركي دائم. وأوضح أن الضباط الأتراك زاروا الموقع في إطار التدريب والتعاون العسكري الأوسع مع دمشق.
تكشف الروايتان أن المشكلة لم تكن في وصول التحذير. دمشق فهمت الموقف الإسرائيلي وردت عليه، لكنها رفضت أن يعني منع تعاونها العسكري مع تركيا. وجاء القصف ليحوّل الاعتراض الذي نُقل عبر الهاتف إلى خط أحمر تفرضه إسرائيل بالقوة.

خلية على الورق
كانت مفاوضات باريس قد انتهت في مطلع كانون الثاني/يناير إلى إعلان إنشاء “آلية دمج مشتركة” وخلية اتصال بإشراف أميركي، مهمتها تبادل المعلومات وخفض التصعيد ومعالجة الخلافات سريعاً ومنع سوء الفهم. وضم التصور الأميركي مركزاً في عمّان بمشاركة ديبلوماسية وعسكرية واستخبارية، على أن تكون واشنطن وسيطاً على مدار الساعة، مع تجميد الأنشطة العسكرية على الجانبين أثناء معالجة التفاصيل.
لكن إسرائيل رفضت تشغيل المركز، رغم ضغط دمشق لأسابيع من أجل تفعيله، وفق مسؤول أميركي تحدث إلى “أكسيوس”. وبقيت الآلية التي أُعلنت قبل أكثر من سبعة أشهر خارج الخدمة حتى أزمة أبو الظهور. لذلك لم تفشل الخلية في احتواء الأزمة، إذ مُنعت من العمل قبل أن تُختبر. وعندما ظهر الخلاف، استُعيض عنها باتصال مباشر أتاح تبادل المواقف، لكنه أبقى قرار استخدام القوة في يد إسرائيل.
وتكشف المكالمة أن دمشق لم تكن تحتاج إلى وسيلة للتحدث مع إسرائيل. الهاتف كان متاحاً على مستوى رئيس “الموساد” ووزير الخارجية. ما أرادته من الخلية هو إدخال الولايات المتحدة في إدارة الخلاف، بحيث توجد آلية سياسية وأمنية تفصل بين الاعتراض الإسرائيلي والقرار العسكري.
اقرأ أيضا: السكة الحديد تمد تشغيل قطاري 1951 و1952 الإضافيين لخدمة زوار دير السيدة العذراء بأسيوط
اتفاق واحد بقراءتين
كشف أبو الظهور أيضاً أن الطرفين يختلفان على مضمون الاتفاق نفسه. وقال الشيباني إن المفاوضات التي امتدت عاماً حققت تقدماً كبيراً نحو اتفاق أمني، قبل أن تتراجع إسرائيل عن التزاماتها ولا تُنفذ الصيغة ميدانياً، مؤكداً أن دمشق أخذت مخاوف إسرائيلية مهمة في الاعتبار، وأن أي اتفاق يجب أن يراعي أمن الطرفين والسيادة السورية.
أما نتنياهو، فقال إن سوريا كادت تخرق “وضعاً أمنياً قائماً” بالسماح بانتشار تركي. غير أن المعلن بعد مفاوضات كانون الثاني/يناير لم يتضمن التزاماً سورياً بمنع التعاون العسكري مع تركيا، وإنما تحدث عن خفض التصعيد وتجميد الأنشطة العسكرية. وكانت “معاريف” قد نقلت عن مسؤول إسرائيلي تصوراً للوضع القائم يقوم على بقاء إسرائيل في جبل الشيخ، وعدم تعزيز القدرات العسكرية السورية، ومنع وجود عسكري أجنبي يقيّد حرية عملها.
بذلك تفهم دمشق التفاهم باعتباره قيداً متبادلاً على استخدام القوة وضمانة لسيادتها، فيما تريده إسرائيل إطاراً يثبت خطوطها الحمراء الأمنية مع احتفاظها بحرية فرضها عسكرياً. وهنا تظهر عقدة أبو الظهور: الطرفان يتحدثان عبر قناة مباشرة، لكنهما لا يتفقان على الحدود التي يفترض أن تضبطها هذه القناة.
براك وآلية بثلاثة أطراف
بعد الغارة، قال المبعوث الأميركي توم براك إن واشنطن تعمل على آلية فض اشتباك تضم سوريا وإسرائيل وتركيا، وإن آلية تبادل المعلومات والحوار القائمة تحتاج إلى “بنية أكثر متانة” وموارد أكبر. وكشف أن تركيا لم تتلق إخطاراً مسبقاً بالغارات، وكان بإمكانها، بعدما رصدت الطائرات الإسرائيلية متجهة شمالاً نحو أراضيها، الاستعداد لرد عسكري.
وقد يقلل المقترح خطر مواجهة مباشرة، لكنه يعيد بناء هندسة اتصال أوسع فيما بقيت الآلية السابقة معطلة. كما يطرح سبب قبول إسرائيل مستقبلاً بصيغة ثلاثية بعدما تعثر تشغيل الصيغة السابقة.
قنوات الاتصال بين دمشق وتل أبيب موجودة وتصل إلى مستويات رفيعة، لكن أزمة أبو الظهور كشفت أن الخلاف يتمحور حيال وظيفتها وحدود الاتفاق الذي تعمل في ظله. دمشق تريدها أداة لضبط التصعيد وإدخال واشنطن في إدارة الأزمات، فيما تستخدمها إسرائيل لنقل خطوطها الحمراء مع إبقاء القوة وسيلة لفرضها.
اقرأ أيضا: وظائف شاغرة بمترو الانفاق تعرف على التفاصيل
