هاشم النفاخ
ليست كل أزمة تعيشها الدولة أزمة موارد أو إدارة، فبعض الأزمات تبدأ عندما تفقد الحكومة هويتها
منذ عام 2003، انشغل العراقيون بالحديث عن الفساد، وسوء الخدمات، والتدخلات الخارجية، إلا أن سؤالاً آخر ظل بعيداً عن النقاش هل ما زالت الحكومة العراقية تمثل السلطة التنفيذية للدولة، أم أن المحاصصة والعرف السياسي أعادا تشكيلها لتصبح حكومة توازنات أكثر من كونها حكومة دولة؟
غالباً ما يُختزل الحديث عن الدولة في حدودها، أو مواردها، أو مؤسساتها، لكن الدولة الحديثة تُقاس قبل كل شيء بقدرتها على امتلاك حكومة تمارس سلطتها بوصفها المرجعية التنفيذية العليا، وتتخذ قراراتها انطلاقاً من المصلحة العامة، لا من توازنات القوى السياسية. وعندما تبدأ الحكومة بفقدان هذه الهوية، تتحول أزمات الدولة من مشكلات إدارية يمكن إصلاحها إلى أزمة بنيوية تمس طبيعة السلطة نفسها
ولعل أبرز مثال على ذلك هو ما شهده العراق في أكثر من دورة انتخابية من حالات انسداد سياسي امتدت لأشهر طويلة، متجاوزةً المدد الدستورية المخصصة لتشكيل السلطات بعد الانتخابات. فبدلاً من أن تكون نتائج الانتخابات بدايةً لانتقال دستوري منظم للسلطة، أصبحت بدايةً لجولات تفاوض شاقة بين القوى السياسية حول توزيع المناصب وتقاسم النفوذ. وخلال هذه الفترات، لم يكن الخلاف يدور غالباً حول البرامج الحكومية أو الرؤى الاقتصادية أو خطط الإصلاح، بقدر ما كان يدور حول هوية شاغلي المناصب السيادية وحصص القوى المشاركة في الحكم. وقد عكس هذا المشهد انتقال مركز القرار من النصوص الدستورية إلى التوافقات السياسية، بحيث أصبحت عملية تشكيل الحكومة محكومة بموازين القوى أكثر من خضوعها للإجراءات الدستورية أو استحقاقات انتخابية إذ إن بعض القوى، رغم عدم حصولها على عدد كبير من المقاعد، تمتلك تأثيراً في قرار تشكيل الحكومة. وهو ما يعكس أن تشكيل الحكومة لا يُحسم وفق الاستحقاق الانتخابي أو النص الدستوري وحدهما، وإنما يخضع في الواقع لتوافقات ومجالس سياسية تتولى رسم ملامح الحكومة المقبلة
إن هذا الواقع لا يمثل مجرد أزمة سياسية عابرة، بل يكشف عن تحول أعمق في طبيعة السلطة. فالحكومة التي تستغرق أشهراً طويلة حتى تتشكل نتيجة مفاوضات حول تقاسم المناصب، هي حكومة تبدأ عملها وهي محكومة بالتوازنات التي أنتجتها، الأمر الذي يجعل الحفاظ على تلك التوازنات جزءاً من بقائها السياسي
بعد عام 2003 دخل العراق مرحلة سياسية جديدة هدفها بناء نظام يقوم على المشاركة بعد عقود من احتكار السلطة. وكان هذا التوجه مفهوماً في سياق مرحلة انتقالية معقدة، سعت إلى طمأنة المكونات العراقية وإشراكها في إدارة الدولة. غير أن ما بدأ كحل استثنائي تحول تدريجياً إلى قاعدة سياسية غير مكتوبة، حتى أصبح توزيع المناصب السيادية عرفاً ثابتاً أكثر منه نتيجةً للمنافسة الديمقراطية
ومع مرور السنوات، لم يعد السؤال عند تشكيل الحكومات: من هو الأكثر كفاءة لقيادة السلطة التنفيذية؟ بل أصبح: لأي مكون ينتمي المرشح؟ وأصبحت رئاسة الجمهورية تُعد استحقاقاً كردياً، ورئاسة الوزراء استحقاقاً شيعياً، ورئاسة مجلس النواب استحقاقاً سنياً، رغم أن الدستور العراقي لم ينص على هذا التقسيم. ومع ترسخ هذا العرف، لم تعد الحكومة تُبنى على أساس برنامج سياسي موحد، بل على أساس تفاهمات تضمن استمرار التوازن بين القوى المشاركة في السلطة
ولا تكمن المشكلة في التنوع العراقي، فالعراق كان وسيبقى بلداً متعدد القوميات والأديان والمذاهب، كما أن المشاركة السياسية تمثل ركناً أساسياً لأي نظام ديمقراطي. لكن هناك فرقاً جوهرياً بين المشاركة في السلطة وتقاسم هوية السلطة. فالدولة التي تقوم على المواطنة تجعل المناصب مفتوحة أمام جميع المواطنين وفق الدستور وإرادة الناخبين، أما عندما تصبح هوية المنصب مرتبطة مسبقاً بانتماء قومي أو مذهبي، فإن الحكومة تبدأ تدريجياً بفقدان هويتها بوصفها حكومة للدولة، لتصبح حكومة تمثل توازنات المكونات
يرى عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر أن الدولة تتميز باحتكارها المشروع للسلطة داخل إقليمها، وهو احتكار لا يقتصر على القوة المسلحة، بل يشمل القرار السياسي أيضاً. فالدولة القوية ليست تلك التي تمتلك أكبر عدد من المؤسسات، وإنما تلك التي تمتلك حكومة قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه من خلال مؤسساتها وحدها. وعندما يصبح القرار موزعاً بين جهات متعددة، تتراجع قدرة السلطة التنفيذية على أداء دورها، حتى وإن بقيت مؤسسات الدولة قائمة شكلياً
ومن هنا يمكن القول إن أخطر ما أنتجته المحاصصة لم يكن توزيع الرئاسات والوزارات فحسب، بل إعادة تشكيل هوية الحكومة نفسها فلم تعد الحكومة تُنظر إليها باعتبارها القيادة التنفيذية التي تدير الدولة، وإنما باعتبارها إطاراً لإدارة التوازنات بين الأحزاب والمكونات، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة، لم تعد فيها أزمة العراق تتعلق فقط بمن يحكم، بل بكيفية ممارسة الحكم، ومن يمتلك القرار الحقيقي داخل الدولة
لم يتوقف أثر هذا التحول عند حدود تشكيل الحكومات، بل امتد إلى بنية الدولة ومؤسساتها. فمع مرور الوقت، توسع نفوذ الأحزاب داخل الوزارات والهيئات والمؤسسات التنفيذية، وأصبحت كثير من المواقع الإدارية تُدار وفق موازين القوى السياسية أكثر من إدارتها وفق متطلبات الدولة. وبدلاً من أن تعمل مؤسسات الحكومة ضمن رؤية تنفيذية واحدة، أصبحت، في كثير من الأحيان، تعكس أولويات الجهات السياسية التي جاءت بقياداتها، وهو ما أدى إلى تراجع الانسجام في عمل السلطة التنفيذية
وأفرز هذا الواقع ظاهرة أكثر تعقيداً، وهي تعدد مراكز القرار. ففي الدول المستقرة يعرف المواطن أين يُصنع القرار ومن يتحمل مسؤوليته، أما في العراق فقد أصبح القرار في كثير من الملفات يمر عبر شبكة معقدة من التفاهمات بين الأحزاب والقوى السياسية. ومع تعدد هذه المراكز، أصبحت المسؤولية نفسها موزعة، فتراجعت المحاسبة، وأصبحت الحكومة أقل قدرة على تنفيذ برامجها أو فرض إرادتها على مؤسسات الدولة، لأن الحفاظ على التوازن السياسي تحول إلى أولوية لا تقل أهمية عن إدارة الدولة نفسها
وزاد هذا المشهد تعقيداً بروز الفصائل المسلحة بوصفها أحد الفاعلين المؤثرين في الحياة السياسية والأمنية. ولا يمكن قراءة هذا الملف بعيداً عن سياقه التاريخي، فقد لعبت فصائل عديدة دوراً بارزاً في مواجهة تنظيم داعش، وقدمت تضحيات كبيرة دفاعاً عن العراق. إلا أن انتهاء تلك المرحلة فتح نقاشاً مختلفاً يتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة والسلاح، وحدود سلطة الحكومة في إدارة الملفين الأمني والعسكري. فالدولة الحديثة تقوم على أن تكون المؤسسات الرسمية هي المرجعية النهائية في إدارة القوة، وأن تخضع جميع أدواتها لسلطة القانون، بما يضمن وحدة القرار ووحدة المسؤولية
ولا يتعلق الأمر بوجود هذه القوى بحد ذاته، وإنما بما ينتجه تعدد الجهات القادرة على التأثير في القرار السياسي أو الأمني. فكلما اتسعت دوائر النفوذ خارج المؤسسات الرسمية، أصبحت الحكومة أقل قدرة على ممارسة صلاحياتها بوصفها السلطة التنفيذية العليا، وأصبح تنفيذ القرار مرهوناً بحسابات تتجاوز في بعض الأحيان الإطار المؤسسي للدولة
ومن هنا، يبرز أثر فقدان هوية الحكومة في مفهوم السيادة. فالسيادة ليست مجرد علم يرفرف أو حدود يعترف بها المجتمع الدولي، وإنما هي قدرة الدولة على اتخاذ القرار وتنفيذه باستقلال عبر مؤسساتها. ولذلك، فإن فقدان الحكومة لوحدتها لا يعني زوال سيادة العراق من الناحية القانونية، لكنه قد يضعف قدرة الدولة على ممارسة سيادتها بصورة كاملة. فالحكومة التي لا تمتلك مركز قرار واضحاً تجد نفسها مضطرة، في بعض الملفات، إلى إدارة التوازنات الداخلية قبل اتخاذ القرار، وهو ما ينعكس على استقلالية القرار الوطني وفاعلية مؤسسات الدولة
ولهذا، فإن العلاقة بين هوية الحكومة والسيادة ليست علاقة شعارات سياسية، بل علاقة مؤسسات. فكلما كانت الحكومة صاحبة القرار الأول، كانت الدولة أكثر قدرة على فرض القانون، وإدارة مواردها، ورسم سياساتها الداخلية والخارجية باستقلال. أما عندما يصبح القرار موزعاً بين الأحزاب ومراكز النفوذ المختلفة، فإن قدرة الحكومة على ممارسة هذه الوظائف تتراجع، حتى وإن بقيت الدولة محتفظة بكامل شخصيتها القانونية على المستوى الدولي
ولعل هذا ما يفسر استمرار كثير من الأزمات رغم تعاقب الحكومات والانتخابات. فالمشكلة لا تتعلق دائماً بالأشخاص الذين يتولون السلطة، وإنما بالبنية السياسية التي تعمل من خلالها الحكومة. إذ إن أي حكومة جديدة تجد نفسها جزءاً من منظومة تقوم على المحاصصة والتوازنات، فتكون مساحة حركتها أضيق من حجم التحديات التي تواجهها، ويصبح الإصلاح أكثر صعوبة مهما كانت النوايا أو البرامج
ولا يعني هذا الطرح الدعوة إلى إقصاء أي مكون أو إنهاء مبدأ الشراكة السياسية، فالعراق لا يمكن أن يُدار إلا بمشاركة جميع أبنائه. لكن الشراكة تختلف عن المحاصصة، والمشاركة تختلف عن تعدد مراكز القرار. فالدولة تستطيع أن تحافظ على تنوعها السياسي والاجتماعي، وفي الوقت نفسه تمتلك حكومة واحدة، وقراراً واحداً، ومؤسسات تكون المرجعية العليا للجميع
لقد انشغل العراق طوال السنوات الماضية بمحاربة نتائج الأزمة؛ الفساد، وضعف الخدمات، وتعثر المؤسسات. لكن أي إصلاح سيظل ناقصاً إذا لم يُعالج أصل المشكلة، والمتمثل في تآكل هوية الحكومة وتعدد مراكز القرار. فالحكومة التي لا تمتلك قرارها لا تستطيع أن تقود مشروعاً للإصلاح، ولا أن تمارس سيادة الدولة بالصورة التي تتطلبها دولة حديثة
ولذلك، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه العراق اليوم لا يكمن في تغيير الحكومات بقدر ما يكمن في إعادة بناء هوية الحكومة نفسها؛ حكومة تستمد شرعيتها من الدستور، وتقود مؤسسات الدولة بوصفها سلطة تنفيذية واحدة، لا بوصفها ساحة لتقاسم النفوذ فاستعادة وحدة الحكومة ليست هدفاً سياسياً فحسب، بل هي المدخل الطبيعي لتعزيز سيادة القانون، وتقوية مؤسسات الدولة، وترسيخ استقلال القرار الوطني
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل حديث عن الإصلاح: هل يستطيع العراق أن يستعيد قوة دولته من دون أن يستعيد أولاً هوية حكومته؟
اقرأ أيضا: المشهد اليمني – كارثة إنسانية في عدن: توقف شريان الحياة يهدد مئات الأطفال المصابين بالشلل الدماغي!
The post حين فقدت الحكومة هويتها.. كيف أعادت المحاصصة تشكيل السلطة في العراق؟ appeared first on جريدة المدى.
