في قلب محافظة تعز، وحيث تركت الحرب ندوباً غائرة في كل زاوية، تقف المؤسسة العامة للمسالخ وأسواق اللحوم كشاهد حي على إمكانية نهوض المؤسسات الحكومية من تحت الركام. فلم تكن مهمة إعادة الحياة لمؤسسة فقدت كافة أصولها وبنيتها التحتية بالأمر السهل، إلا أن الإرادة الإدارية حولتها إلى درع حصين يحمي 4 ملايين مواطن من كوارث صحية وبيئية محققة.
وفي حوار له، فتح المهندس حسين المقطري، مدير عام المؤسسة بتعز، ملفات شائكة وكشف عن أرقام وحقائق تُنشر لأول مرة حول اللحوم الفاسدة، وأزمة سوق الأسماك، والقفزة المليونية في الإيرادات.
أكد المهندس حسين المقطري أن المؤسسة مرت بمرحلة انهيار كارثية إبان ذروة الحرب، حيث دُمرت مرافقها بالكامل، ونُهبت أصولها أو قُصفت، لتصبح فعلياً “خارج نطاق الخدمة”.
ولكن منذ تسلم الإدارة الجديدة لمهامها في عام 2020، بدأت عملية انتشال حقيقية. وبدعم من الصندوق الاجتماعي للتنمية وتكاتف الكادر الوظيفي، تم ترميم المؤسسة وإعادتها للعمل بصورة آلية وحديثة، لتستعيد عافيتها وتدير عجلة التنمية بخطى ثابتة، محققة أهدافها في حماية الصحة العامة والإصحاح البيئي.
بلغة الأرقام التي لا تكذب، استعرض المقطري كيف قفزت إيرادات المؤسسة بشكل إعجازي. ففي عامي (2016 – 2017) كانت الإيرادات تقبع عند “صفر ريال”. وفي عام 2018 بالكاد وصلت إلى (375,000 ريال).
ولكن، مع تطبيق نظام الفوترة الإلكترونية والأتمتة الرقمية بنسبة 70%، ارتفعت الإيرادات بشكل صاروخي لتصل في نهاية عام 2020 إلى أكثر من (31 مليون ريال). وتستمر هذه الطفرة المالية حتى النصف الأول من عام 2026 محققة زيادة فاقت التوقعات بنسبة 70%، حيث تُوزع الإيرادات بشفافية تامة: (10% للسلطة المحلية، 10% للمؤسسة، و80% للنفقات التشغيلية وأجور العاملين).
لم تقتصر جهود المؤسسة على الجانب المالي، بل امتدت لتخوض معركة شرسة لحماية أرواح المواطنين.
الدجاج المسرطن: تم تفعيل نقاط رقابة صارمة جوار مسلخ الضباب لفحص الحيوانات قبل ذبحها. وشرعت المؤسسة في منع دخول “الدجاج صغير السن” الذي لم يأخذ دورته الزمنية للتخلص من بقايا الأسمدة والمواد الكيميائية المُسمنة، والتي حذر المقطري من أنها مواد مسرطنة تهدد حياة المستهلكين.
إنذار نيوكاسل: كشف المقطري أن المؤسسة تصدت بقوة لانتشار مرض التهابات القصبة الهوائية (الخناق – نيوكاسل) بين الدواجن القادمة من الحوبان ومحافظة إب. وتم إعدام كميات كبيرة منها وإعادة الشحنات المريضة بالتعاون مع الجيش والشرطة العسكرية، لمنع انتقال العدوى لطيور ودواجن المدينة.
اللحوم المختومة: وجهت المؤسسة تحذيراً شديد اللهجة للمواطنين بضرورة الامتناع عن شراء أي لحوم غير ممهورة بختم الأطباء البيطريين التابعين للمؤسسة.
اقرأ أيضا: الأمن يكشف ملابسات 3 وقائع متداولة على مواقع التواصل بالقليوبية والشرقية والمنوفية
وفي تفنيد للشائعات التي رافقت نقل سوق حراج الأسماك من منطقة “زيد الموشكي” داخل المدينة إلى منطقة الضباب، كشف المقطري عن الكواليس المخفية.
تعود جذور الأزمة إلى تهرب المسؤولين عن حراج “الموشكي” من دفع المستحقات المالية لموردي الأسماك القادمين من (المخا، أبين، وحضرموت)، والتي تراكمت لتصل إلى 100 مليون ريال. هذا التجاوز دفع الموردين للتمرد، والبيع المباشر في الشوارع لعدة أيام، مهددين بمغادرة تعز بالكامل، مما كان سيخلق أزمة غذاء خانقة.
وتفادياً للكارثة، وبعد شكاوى متكررة من أهالي حي الموشكي بسبب الروائح وازدحام الناقلات، وافقت المؤسسة على طلب مالك الحراج (الشيخ إبراهيم المقرمي) بنقل الموردين إلى مسلخ الضباب. وتم توقيع عقد رسمي جديد، حيث يدير أبناء المقرمي الحراج حالياً، بينما يقتصر دور المؤسسة على الإشراف الصحي الدقيق.
تتجه المؤسسة لتطبيق نموذج “المدن الخضراء” عبر توقيع بروتوكول تعاون مع معمل تعز للأسمدة العضوية. يقضي هذا المشروع بتأجير مساحة في المسلخ المركزي لتدوير مخلفات المطاعم وأسواق اللحوم والأسماك وتحويلها إلى أسمدة عضوية عالية الجودة، مما يقلل من النفايات ويحد من التلوث البيئي في شوارع تعز.
وفي ختام تصريحه، أكد المهندس حسين المقطري أن المؤسسة، رغم هذه الإنجازات الضخمة، لا تزال تواجه عقبات رئيسية أبرزها غياب الموازنة التشغيلية الحكومية، والافتقار إلى الأراضي الواسعة والمقرات المجهزة بالكامل في مركز المحافظة، داعياً الجهات المعنية والمواطنين إلى الوقوف صفاً واحداً لدعم هذه المؤسسة التي تضع صحة المواطن التعزي على رأس أولوياتها.
اقرأ أيضا: رئيس القابضة للمياه يبحث مع وفد «Xinxing» الصينية توسيع التعاون الفني ورفع كفاءة شبكات مياه الشرب
