المشهد اليمني – خرج جائعاً وعُرضت عليه الجنسية والزواج فرفضها.. قصة مراهق يمني قهر المستحيل في الخمسينيات!

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

لم تكن الغربة يوماً مجرد حقيبة سفر وتذكرة عبور، بل هي في القاموس اليمني فصول من المعاناة ونحتٌ في صخر الحياة بحثاً عن الكرامة والمستقبل. وفي خمسينيات القرن الماضي، حيث كانت السبل وعرة والأحلام تتطلب تضحيات جسام، بدأت حكاية العم صالح أحمد سند مجلد المرقشي، الذي ودع طفولته مبكراً وحمل زوادة سفره وهو لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره.

وبحسب التفاصيل التي نقلها أبو محمد المرقشي وأوردها موقع «المشهد اليمني»، فقد انطلقت أولى خطوات هذه الرحلة الملحمية من مسقط رأس الشاب صالح متجهة صوب مدينة تعز، ومنها إلى العاصمة صنعاء؛ في مهمة شاقة لاستخراج «جواز سفر». لم تكن الإجراءات سهلة حينها، فقد اصطدم بعقبات كثيرة أجبرته على العمل لعدة أيام في شوارع صنعاء، فقط ليتمكن من جمع مصاريف استكمال الوثيقة وتأمين تذكرة سفره الأولى.

اقرأ أيضا: “صفقة التعويض”.. مانشستر سيتي يفاوض موهبة بالميراس

من الجوع في نجران إلى رفض الزواج والجنسية

كانت وجهته الأولى هي مدينة نجران السعودية، لكن الرياح لا تجري دائماً كما تشتهي سفن المغتربين. وصل الشاب صالح إلى وجهته وقد نفد كل ما يملكه من مال، ليجد نفسه وجهاً لوجه أمام قسوة الجوع وغربة المكان. دفعه هذا الموقف للبحث بيأس عن أي فرصة عمل تقيه ذل السؤال، حتى قادته خطاه إلى أرض زراعية مليئة بمحصول «الدخن». جلس هناك يستظل بشجرة، قبل أن يلمحه صاحب الأرض ويعرض عليه العمل، ليوافق الشاب اليمني على الفور ويبدأ بجمع أولى ريالاته.

سرعان ما انتقل صالح من حقول الزراعة إلى رعي الأغنام في صحاري نجران مع إحدى الأسر البدوية. هناك، وخلال تسعة أشهر من العمل الشاق براتب لا يتجاوز 100 ريال شهرياً، أثبت الشاب أمانته وجدارته، مما دفع الأسرة التي يعمل لديها لعرض الزواج عليه من إحدى بناتهم، بل وعرضوا مساعدته في استخراج الجنسية. لكن الشاب الذي كان يحمل طموحاً يمتد أبعد من تلك الصحراء، اعتذر بلباقة مفضلاً استكمال رحلته.

نداء الدمام ومغامرة قارب البحرين

بعد رحلة رعي الأغنام، حمل صالح حصيلة تعبه البالغة 900 ريال، وسار على قدميه ليوم وليلة كاملين حتى بلغ الطريق العام. اتجه صوب مكة المكرمة، حيث أدى مناسك الحج وعمل مساعداً في ذبح الأضاحي، قبل أن يقرر شد الرحال إلى الرياض.

اقرأ أيضا: المشهد اليمني – تحرك عاجل لإنقاذ أحد أقدم معالم عدن التاريخية من محاولة سطو جديدة

وما إن وطأت قدماه العاصمة الرياض حتى التقطت أذناه نداءً يغير مسار حياته: «الدمام.. الدمام!». قفز صالح إلى إحدى السيارات المتجهة نحو الشرق، ليبدأ فصلاً جديداً من الكدح في جبال وكسارات الأحجار لمدة عام ونصف. هناك، وسط قسوة الصخر، تمكن من جمع مبلغ مالي جيد، وشارك بعرق جبينه في إنشاء أحد الجسور الحيوية.

من جسور الدمام، التمعت في رأس الشاب فكرة عبور البحر. برفقة ستة يمنيين آخرين، ركب صالح قارباً بحرياً صغيراً متحدياً أمواج الخليج، ليصل إلى شواطئ البحرين. وفي حين كان يبحث عن مصنع مشروبات يملكه مغترب حضرمي، قاده القدر إلى مصنع لإنتاج «البلك» (الطوب)، حيث ناداه العمال للانضمام إليهم، فلم يتردد لحظة.

لم تقف طموحات العم صالح عند العمل اليدوي؛ إذ اقتطع من حر ماله وجهده للالتحاق بمدرسة لتعليم قيادة السيارات، متدرباً على فترات متقطعة، ليثبت أن الإرادة اليمنية قادرة على التكيف والتعلم في أحلك الظروف.

إن قصة العم صالح المرقشي ليست مجرد سيرة ذاتية، بل هي وثيقة تاريخية حية تروي جانباً من تضحيات جيل الرواد من المغتربين اليمنيين؛ الجيل الذي غادر الديار في سن غضة، وكتب بدمه وعرقه حكايات كفاح في مختلف البلدان، متسلحاً بصبر لا يلين وإصرار لا يعرف المستحيل.

اقرأ أيضا: أول قرار من معتمد جمال بعد تعادل الزمالك أمام الاتحاد السكندري

‫0 تعليق

اترك تعليقاً