محمد عبد الجبار الشبوط
تكشف النقاشات التي أعقبت اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان عن مشكلة أساسية ستواجه أي محاولة لتحويل الاتفاق الثلاثي إلى نواة لمنظومة أوسع للأمن الشرق أوسطي المشترك. فالدول التي يمكن أن تشارك في هذه المنظومة لا تعيش في بيئة استراتيجية واحدة تمامًا، ولا تنظر إلى مصادر التهديد بالطريقة نفسها، بل تحمل كل واحدة منها تاريخًا من الخصومات الوطنية والمخاوف الأمنية الخاصة بها. ومن هنا يبرز سؤال بالغ الأهمية: هل تنتقل هذه الخصومات تلقائيًا إلى المنظومة المشتركة، بحيث يصبح خصم كل دولة خصمًا لبقية الدول، أم ينبغي التمييز بين الأمن الإقليمي المشترك وبين الخصومات الوطنية الخاصة؟
هذه المسألة تظهر بوضوح حتى داخل النواة الثلاثية لاتفاقية مكة. فباكستان تنظر تاريخيًا إلى الهند بوصفها مصدر التهديد الاستراتيجي الأكبر لأمنها القومي، وقد قامت عقيدتها العسكرية، وجانب أساسي من برنامجها النووي، على تحقيق الردع في مواجهة الهند. أما تركيا فلها حساباتها المعقدة مع إسرائيل، فضلًا عن خلافاتها التاريخية والاستراتيجية مع اليونان وقبرص، وتتحرك في بيئة أمنية تمتد من البحر الأسود والقوقاز إلى شرق المتوسط وسوريا والعراق. وفي المقابل، تتركز المخاوف السعودية بدرجة أكبر على أمن الخليج والبحر الأحمر، والصواريخ والطائرات المسيّرة، والتهديدات التي يمكن أن تأتي من إيران أو الجماعات المسلحة المرتبطة بها. وهذا يعني أن الدول الثلاث، رغم اتفاقها على مبدأ الدفاع المشترك، لا تمتلك قائمة واحدة متطابقة للأصدقاء والخصوم والتهديدات.
وتزداد المشكلة تعقيدًا إذا توسعت المنظومة مستقبلًا. فمصر، وهي المرشح الأكثر تداولًا للانضمام أو المشاركة في الإطار الأمني الناشئ، ترتبط بمعاهدة سلام مع إسرائيل، ولها علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، كما ترتبط بعلاقات وثيقة مع اليونان وقبرص، في حين تتقاطع مصالحها مع تركيا في ملفات وتختلف معها في ملفات أخرى. أما العراق، الذي سيكون وجوده مهمًا في أي تصور شامل لأمن الشرق الأوسط، فله علاقة خاصة ومعقدة مع إيران، كما توجد على أراضيه قوى سياسية ومسلحة ترتبط بطهران بدرجات مختلفة. ودول الخليج نفسها ليست متطابقة في علاقاتها مع إيران أو تركيا أو إسرائيل، ولا في تقديرها لمصادر الخطر الإقليمي. وبذلك فإن توسيع المنظومة سيزيد قوتها من جهة، لكنه سيزيد في الوقت نفسه تنوع المصالح والخصومات داخلها.
هنا يظهر الفرق بين الحلف العسكري ومنظومة الأمن الإقليمي المشترك. الحلف العسكري التقليدي يتشكل عادة في مواجهة خصم محدد أو تهديد مشترك واضح، كما حدث في كثير من تحالفات القرن العشرين. أما منظومة الأمن المشترك فتقوم على فكرة مختلفة: أمن الدول المشاركة مترابط، لكن هذا الترابط لا يعني أن تتبنى كل دولة جميع خصومات الدول الأخرى. فالهدف ليس توحيد الأعداء، وإنما الاتفاق على قواعد تحمي الجميع من الاعتداء، وتحفظ سيادة الدول وسلامة أراضيها، وتمنع استخدام القوة أو الوكلاء المسلحين لفرض الإرادة السياسية، وتحمي الممرات البحرية والبنية التحتية والمجال الجوي ومصادر الطاقة.
ولهذا فإن تحويل اتفاقية مكة إلى منظومة للأمن الشرق أوسطي المشترك يتطلب صياغة دقيقة لمفهوم التهديد المشترك. فإذا تعرضت السعودية مثلًا لهجوم عسكري على أراضيها، فهذا يدخل بوضوح في نطاق الدفاع المشترك. لكن هل يعني ذلك أن تصبح الهند خصمًا للسعودية وتركيا بسبب الخصومة الباكستانية معها؟ وهل تصبح اليونان خصمًا لباكستان والسعودية بسبب خلافاتها مع تركيا؟ وهل تصبح إيران عدوًا لجميع أعضاء المنظومة بسبب خلاف دولة أو أكثر معها؟ إذا كانت الإجابة نعم، فإن المنظومة ستتحول سريعًا إلى مستودع تتجمع فيه خصومات أعضائها، وقد تجد نفسها أمام عدد من الأعداء يفوق قدرتها على إدارة علاقاتها الإقليمية والدولية.
الأكثر خطورة أن هذا المسار يمكن أن ينتج أحلافًا مضادة. فإذا شعرت الهند مثلًا بأن اتفاقية مكة أصبحت امتدادًا للصراع الهندي ـ الباكستاني، فقد تعزز تعاونها العسكري مع خصوم أو منافسي أعضاء الاتفاق. وإذا اعتبرت إسرائيل المنظومة موجهة ضدها، فقد تبحث عن شبكة مقابلة من الشراكات والتحالفات. وإذا رأت إيران فيها حلفًا سنيًا يستهدفها، فسوف تزيد اعتمادها على الردع العسكري وشبكات الوكلاء بدل الانفتاح على ترتيبات الأمن الإقليمي. وعندئذ لن ينتج الشرق الأوسط نظامًا للأمن المشترك، بل نظامًا جديدًا لتوازن الأحلاف، يحمل في داخله احتمالات سباق التسلح والاستقطاب والحروب بالوكالة.
لهذا ينبغي أن تقوم المنظومة المقترحة على مبدأ يمكن صياغته بوضوح: الخصومات الوطنية الخاصة لا تتحول تلقائيًا إلى خصومات جماعية. ويكون الالتزام المشترك متعلقًا بالاعتداءات التي تمس سيادة الدول الأعضاء وأراضيها وأمنها الأساسي، لا بكل نزاع سياسي أو حدودي أو تاريخي يخوضه أحدها. ويمكن إنشاء آلية مؤسسية تحدد متى يكون التهديد وطنيًا خاصًا، ومتى يصبح تهديدًا للأمن الإقليمي المشترك، بدل ترك الأمر للتفسيرات السياسية المتغيرة.
وهذا المبدأ يفتح الباب أيضًا أمام علاقة مختلفة مع إيران. فإذا لم تُعرّف المنظومة نفسها باعتبارها تحالفًا ضد إيران، يصبح ممكنًا الجمع بين الردع والحوار: ردع أي اعتداء أو استخدام للوكلاء ضد الدول الأخرى، وفي الوقت نفسه إشراك إيران في ترتيبات تتعلق بأمن الخليج، وحرية الملاحة، وعدم الاعتداء، والصواريخ والمسيّرات، ومنع التدخل في الشؤون الداخلية. والغاية نفسها ينبغي أن تحكم التعامل مع بقية القوى الإقليمية.
إن القيمة التاريخية المحتملة لاتفاقية مكة لن تكون في إضافة تحالف جديد إلى قائمة التحالفات التي عرفها الشرق الأوسط، وإنما في قدرتها على فتح الطريق أمام ثقافة أمنية جديدة. فالمنطقة لا تحتاج إلى أن يتبادل أعضاؤها الأعداء، بل إلى أن يتبادلوا الضمانات. ولا تحتاج إلى توحيد الخصومات، بل إلى توحيد القواعد التي تضبطها. وعندما يصبح الاعتداء على السيادة مرفوضًا بصرف النظر عن هوية المعتدي، ويصبح الحوار وسيلة لإدارة الخلافات، والردع وسيلة لمنع الحرب لا لإنتاجها، يمكن عندها أن تتحول النواة التي أنشأتها اتفاقية مكة من حلف بين ثلاث دول إلى بداية حقيقية لمنظومة للأمن الشرق أوسطي المشترك.
اقرأ أيضا: حين فقدت الحكومة هويتها.. كيف أعادت المحاصصة تشكيل السلطة في العراق؟
The post الخصومات الوطنية ومنظومة الأمن الشرق أوسطي المشترك appeared first on جريدة المدى.
