هاويس سنيغير
ترجمة: عدوية الهلالي
اقرأ أيضا: تفاصيل جديدة تعقد انتقال جوليان ألفاريز إلى برشلونة
إن طلب باكستان تمويلًا أمريكيًا بقيمة 10 مليارات دولار لدعم الروبية ليس مجرد معاملة مالية، بل هو محاولة لتحويل الرصيد الدبلوماسي المتراكم خلال مفاوضات الحرب مع إيران إلى ميزة اقتصادية إذ تقترح إسلام آباد آلية ثنائية مدتها القصوى خمس سنوات، تهدف إلى تعزيز احتياطيات النقد الأجنبي، وتخفيف الضغط على العملة الوطنية، والحد من الاعتماد على التمويل من صندوق النقد الدولي والصين والمملكة العربية السعودية. ولم تُعلن واشنطن أي قرار بعد. واكتفت وزارة الخزانة الأمريكية بالإقرار بالتقدم الذي أحرزته باكستان في استقرار اقتصادها، مع التأكيد على ضرورة مواصلة الإصلاحات المالية والعودة إلى أسواق رأس المال الدولية.
إن الحذر الأمريكي مفهوم. عشرة مليارات دولار مبلغ ضخم بالنسبة لدولة تجنبت التخلف عن السداد عام ٢٠٢٣ بفضل برنامج طوارئ، ولا تزال تعتمد على القروض وتجديد الودائع والدعم الخارجي. ولا تزال احتياطيات باكستان عرضة لتقلبات أسعار الطاقة، وأزمات الخليج، وقرارات الدائنين الأجانب. ففي نيسان ٢٠٢٦، اضطرت إسلام آباد إلى سداد ٣.٥ مليار دولار للإمارات العربية المتحدة، ما عوض هذا التدفق الرأسمالي الخارجي بتدخل سعودي إضافي بقيمة ٣ مليارات دولار.
فهل هذا مكافأة للوسيط؟ تعتقد باكستان أنها استحقت مكافأة سياسية. فموقعها الجغرافي، وعلاقاتها مع طهران، وقوة قواتها المسلحة، وقدرتها على الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع واشنطن، كلها عوامل سمحت لها بالمشاركة في الوساطة في النزاع الإيراني.
ولكن في سياسات القوى العظمى، لا توجد مساعدة مجانية. فلو منحت الولايات المتحدة ولو جزءًا من المبلغ المطلوب، فلن يكون ذلك بدافع الامتنان، بل ستسعى إلى تحويل دعم الروبية إلى أداة نفوذ جديدة للتأثير على توجه باكستان الدولي.
وبالتالي، ستساهم الأموال الأمريكية في حماية إسلام آباد من الأزمة، ومنع تبعيتها الاقتصادية للصين من أن تصبح لا رجعة فيها. ولا تستطيع واشنطن عمليًا فصل باكستان عن بكين، فالممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، واستثمارات البنية التحتية، والتعاون العسكري، والدعم الدبلوماسي الصيني، كلها أمور راسخة للغاية. مع ذلك، تستطيع الولايات المتحدة سدّ الثغرات التي خلفتها الصين، وإعادة توازن موازين القوى، وإجبار إسلام آباد على التفاوض بشأن كل قرار تتخذه مع شركاء متعددين.
ومن المرجح أن يكون المقابل الأول اقتصاديًا إذ تسعى الولايات المتحدة إلى توسيع نطاق وصولها إلى الموارد المعدنية الباكستانية، لا سيما النحاس والذهب، وغيرها من المواد الخام الأساسية لصناعاتها العسكرية والطاقة والتكنولوجيا.ويُجسّد مشروع ريكو ديك في بلوشستان هذه المنافسة. وقد أعلن بنك الاستثمار العام الأمريكي، المكلف بدعم الصادرات، عن تمويل بقيمة 1.25 مليار دولار مرتبط بتطوير قطاع التعدين. في غضون ذلك، اقترحت إسلام آباد برنامجاً جديداً يسمح للمستوردين الباكستانيين بشراء المنتجات الأمريكية مع تأجيل الدفع. وبذلك، يمكن إعادة الدعم المالي إلى الولايات المتحدة في صورة عقود ومستلزمات صناعية وآلات وامتيازات تعدين.
بمعنى آخر، يمكن لواشنطن إقراض باكستان دولارات لتستخدمها في شراء سلع أمريكية وفتح قطاعات استراتيجية أمام الشركات الأمريكية. وستُقدَّم هذه العملية على أنها استقرار مالي، لكنها في الواقع ستتخذ شكل اختراق جيواقتصادي. ويتعلق المقابل الثاني بالأمن الإقليمي حيث تشترك باكستان في حدود مع إيران، ولها ساحل على بحر العرب، وتمتلك أسلحة نووية، وتضم أحد أكبر الجيوش في العالم الإسلامي. لذا فهي شريك قيّم لواشنطن في إدارة الأزمة الإيرانية وحماية طرق الطاقة.
ويمكن للولايات المتحدة أن تطلب من إسلام آباد مواصلة الضغط على طهران، وتشجيع المزيد من المفاوضات، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والمساهمة في الأمن البحري. كما يمكنها السعي للحصول على ضمانات بشأن السيطرة على الشبكات المسلحة العاملة على طول الحدود الإيرانية والأفغاني فلا داعي لتصوّر منح قواعد عسكرية علنًا. سيكون مثل هذا القرار صعب القبول سياسيًا، وسيثير رد فعل من طهران وبكين. ومن المرجح أن تتخذ أشكال التعاون طابعًا أكثر سرية، كالتسهيلات اللوجستية، والمراقبة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتنسيق ضد الجماعات المسلحة، وتيسير الاتصالات الدبلوماسية.
ولا تكمن قيمة باكستان في قدرتها على مساعدة الولايات المتحدة فحسب، بل أيضًا في خيارها المحتمل بعدم القيام بذلك. فوجود باكستان معادية أو اندماجها الكامل في دائرة النفوذ الصيني سيجعل السياسة الأمريكية أكثر صعوبة في الخليج العربي وأفغانستان والهند وآسيا الوسطى وسيظل صندوق النقد الدولي جهة رقابية. وتأمل إسلام آباد أن يُخفف مبلغ العشرة مليارات دولار الشروط التي يفرضها الصندوق. مع ذلك، ستجد واشنطن صعوبة في التخلي عن أداة تُمكّنها من التأثير على السياسات المالية والصناعية والطاقة لباكستان.
ويرى المحللون أن أي دعم أمريكي سيكون مشروطًا على الأرجح ببقاء باكستان ضمن برنامج الصندوق. فالولايات المتحدة لا ترغب في استبدال الانضباط الدولي بشيك على بياض، بل تسعى إلى الجمع بين أسلوبين: الرقابة المُمارسة من خلال الإصلاحات، والرقابة المُستمدة من القروض الثنائية.
وقد تشمل الشروط زيادة الإيرادات الضريبية، وخفض دعم الطاقة، وإعادة هيكلة الشركات المملوكة للدولة، وزيادة الانفتاح على الاستثمار الأجنبي. ويكمن الخطر بالنسبة لباكستان في الحصول على سيولة كافية لتأجيل الأزمة دون معالجة أسبابها الهيكلية.
وتسعى باكستان للحصول على المال دون المساس باستقلالها. وتسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز نفوذها دون تحمل كامل تكلفة خطة الإنقاذ وحدها. وستجري المفاوضات في ظل هذا التناقض.ستحاول إسلام آباد الضغط على واشنطن وبكين والرياض وصندوق النقد الدولي في آنٍ واحد، متجنبةً الاعتماد الكلي على أيٍّ منها. أما الولايات المتحدة، فستسعى بدورها إلى تحويل الدعم المالي إلى الوصول إلى الموارد، وعقود لشركاتها، والتعاون العسكري، والقدرة على التأثير في السياسة الباكستانية تجاه إيران والصين وأفغانستان.
لذا، لن يكون المقابل الحقيقي تنازلاً واحداً، بل سيتخذ شكل عودة تدريجية للولايات المتحدة إلى مركز صنع القرار في باكستان. ولن يضمن مبلغ العشرة مليارات دولار، في حال منحه، استقرار الروبية ببساطة. سيمنح ذلك إسلام آباد بعض الوقت، وواشنطن بعض النفوذ.
هذه هي طبيعة العلاقة: تقدم باكستان موقعها الجغرافي، ووساطتها، وتعاونها؛ بينما توفر الولايات المتحدة الدولارات، وإمكانية الوصول إلى الأسواق، والحماية المالية. ولا يثق أيٌّ من الطرفين بالآخر ثقةً كاملة، لكن كليهما يسعى لمنع شريكه من الوقوع نهائيًا في قبضة المنافس.
The post الثمن السياسي للمساعدات الأمريكية appeared first on جريدة المدى.
