البلديّات في الجنوب … إدارة الأزمة بين نيران الحرب وتحديات الصمود

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

فاتن كحيل

اقرأ أيضا: مصرع سيدة أجنبية أثر سقوطها من الطابق السابع داخل فندق شهير بالمعادي

لم تعد البلديات في القرى الحدوديّة تقتصر على تعبيد الطرق وجمع النفايات وإدارة الشؤون المحليّة، بل تحوّلت مع اندلاع الحرب إلى خلايا طوارئ تعمل في ظروف استثنائيّة. فمع استمرار الاعتداءات الإسرائيليّة، وجدت البلديات نفسها في مواجهة مسؤوليات إنسانية وخدماتية وأمنية، واضطرت إلى إدارة الأزمة بإمكانات محدودة، في وقت كانت فيه البنية التحتية تتعرض للتدمير، والموارد المالية تتراجع بصورة غير مسبوقة.
ويؤكد عدد من رؤساء البلديات في منطقة مرجعيون أن الأولوية منذ الأيام الأولى للحرب كانت حماية السكان وتأمين احتياجاتهم الأساسيّة، بالتوازي مع متابعة الأضرار التي لحقت بالمنازل والممتلكات العامة والخاصّة. ويشيرون إلى أن العمل البلدي لم يتوقف رغم المخاطر، بل أخذ طابعاً ميدانيّاً فرضته طبيعة المرحلة.
   من الخدمات اليوميّة إلى إدارة الطوارئ
فرضت الحرب واقعاً جديداً على البلديات، فتحولت إلى مراكز لإدارة الأزمات. فإلى جانب متابعة شؤون السكان، تولت البلديات التنسيق مع المحافظات والدفاع المدني والصليب الأحمر والجمعيات الإغاثية، وساهمت في تنظيم عمليات الإخلاء، وتأمين مراكز الإيواء، وتوزيع المساعدات الغذائيّة والطبيّة، إضافة إلى متابعة أوضاع كبار السنّ والمرضى والأسر التي بقيت داخل القرى رغم المخاطر.
وفي القرى التي تعرضت لقصف متكرر، لم يكن الوصول إلى الأحياء المتضررة أمراً سهلاً، إذ كانت فرق البلديات تضطر إلى انتظار هدوء نسبي قبل البدء بإزالة الركام أو فتح الطرق، حفاظاً على سلامة العاملين.
   سباق مع الزمن لإبقاء القرى الجنوبية صامدة      
في القرى الجنوبية الحدوديّة، تحوّل العمل البلدي خلال الحرب إلى سباق مع الزمن للحفاظ على الحد الأدنى من مقومات الحياة، في وقت كانت فيه بلدات مثل الخيام، مرجعيون، القليعة، رميش، بليدا، مركبا وميس الجبل تواجه تداعيات القصف والنزوح والأضرار التي لحقت بالمنازل والمرافق العامة.
وفي الخيام، تولّى رئيس البلدية المهندس عباس السيد علي متابعة ملف الأهالي خلال التصعيد في آذار 2026، بعدما فرض النزوح واقعاً جديداً على البلدية. فأنشأت البلدية خلية أزمة ضمّت نحو 140 شخصاً من أعضاء وموظفي البلدية وناشطين ومتطوعين، وتوزّع أفرادها لمتابعة أبناء البلدة في مناطق النزوح، من حاصبيا وصيدا والجبل والساحل وصولاً إلى الشمال والبقاع. واعتمدت البلدية مندوبين للتواصل مع العائلات، وتسجيل أماكن وجودها وحاجاتها، في محاولة لإبقاء الصلة قائمة بين البلدية وأهلها رغم تشتتهم خارج البلدة.
 وفي موازاة متابعة النازحين، كان توثيق الأضرار جزءاً أساسيّاً من العمل البلدي. فقد طاول الدمار عدداً من الأحياء والمرافق العامّة في الخيام، فيما واجهت البلديّة صعوبة في مواصلة العمل من داخل البلدة، الأمر الذي دفعها إلى إدارة جانب كبير من الأزمة من خارجها، ومواكبة السكان في أماكن نزوحهم، بالتوازي مع التحضير للمرحلة اللّاحقة.
أما في مرجعيون والقليعة ورميش والقرى المحيطة، فكان الحفاظ على الخدمات الأساسيّة والتواصل مع السكان ومتابعة الأضرار من أبرز التحديات التي فرضتها الظروف الأمنية. وفي القرى الأكثر قرباً من خط المواجهة، ارتبطت قدرة الفرق البلدية على التحرك في الوضع الميداني، فيما أصبح تأمين المياه وفتح الطرق ومتابعة المرافق العامة وتنسيق المساعدات جزءاً من إدارة الأزمة المحليّة.
 وفي هذا السياق لم يعد رئيس البلدية يؤدي دوراً إدارياً تقليدياً، بل اصبح مسؤولاً عن تنسيق شبكة واسعة من الموظفين والمتطوعين والجهات الإغاثيّة، ومتابعة شؤون الأهالي في أماكن وجودهم، والتواصل مع الدولة والمنظمات الإنسانية، إلى جانب توثيق الخسائر ورفع المطالب المتعلقة بإعادة التأهيل.
وفي بلاط، يأخذ العمل البلدي طابعاً مختلفاً في مرحلة العودة، إذ تتركز الأولوية على مواكبة الأهالي وتهيئة الظروف لاستعادة الحياة اليومية في البلدة، بالتوازي مع الأعمال الرسمية الرامية إلى فتح الطرق وإزالة العوائق وتأمين حركة آمنة بين قرى قضاء مرجعيون. وتأتي هذه الجهود ضمن مرحلة أوسع تشهدها القرى الجنوبية، حيث يعمل الجيش اللبناني على مواكبة عودة السكان، وفتح الطرق وإزالة العوائق والتعامل مع الذخائر غير المنفجرة، مع استمرار التحذير من سلوك الطرق التي تقود إلى مناطق لا تزال تشهد وجوداً إسرائيلياً.
وفي هذا المشهد، لا تقف البلديات وحدها. فقد تداخل دورها مع الجيش اللبناني والوزارات والجهات الإغاثية والمؤسسات الدينية والمبادرات المحلية. ومع عودة قسم من الأهالي، تتحول الأولوية تدريجياً من الاستجابة الطارئة إلى إزالة آثار الحرب، وتوثيق الأضرار، وإعادة تأهيل الخدمات، وتهيئة القرى لاستعادة نشاطها الاجتماعي والاقتصادي. فالعودة الحقيقية لا تبدأ بفتح الطريق فقط، بل عندما يجد المواطن الماء والكهرباء والخدمات والأمان، ويشعر أن قريته قادرة على استقباله من جديد.
    تكشف تجربة البلديات الجنوبية أن دورها خلال الحرب تجاوز الخدمات اليومية إلى إدارة الأزمات، متابعة النازحين، تنسيق المساعدات، توثيق الأضرار والحفاظ على الخدمات الأساسية، رغم محدودية الامكانات والمخاطر الأمنية.
ومع الانتقال إلى مرحلة العودة، تواجه البلديات مهمة جديدة تشمل إزالة آثار الدمار، تأهيل الطرق والبنى التحتية، إعادة الخدمات وتهيئة الظروف لعودة الأهالي بصورة آمنة ومستقرة. ولا تستطيع البلديات تحمل هذه المسؤوليات وحدها، ما يجعل دعم الدولة والجهات الانسانية والمانحين ضرورة لإعادة إعمار القرى وتعزيز صمود سكانها.
فالعودة الحقيقية لا تعني فتح المنازل والطرق فحسب، بل استعادة المياه والكهرباء والخدمات والحياة الاقتصادية والاجتماعية والأمان. ومن هنا، يبقى التحدي تحويل الصمود الذي عاشته القرى خلال الحرب إلى تعافٍ فعلي يعيد الحياة إلى الجنوب ويثبت أهله في أرضهم ويمنحهم القدرة على بناء مستقبلهم من جديد. 

‫0 تعليق

اترك تعليقاً