احمد الشوابكة
مادبا – من الكاميرا تبدأ الحكاية، لكن الصورة لا تنتهي عند حدود الإطار؛ فهي ذاكرة تحفظ المكان، وشهادة على الزمن، ولغة قادرة على تقديم الأردن بوجهه الثقافي والتاريخي والإنساني. ومن هذه الفكرة تتواصل في مادبا فعاليات مشروع «أردننا في عيوننا.. من الهواية إلى الاحتراف»، الذي يجمع بين التدريب النظري والتطبيق العملي، ويمنح المشاركين فرصة لاكتشاف فن التصوير الفوتوغرافي وتطوير مهاراتهم في قراءة المكان وتوثيقه.
وقال أمين عام وزارة الثقافة الدكتور نضال العياصرة إن مشروع «أردننا في عيوننا» يأتي انطلاقا من توثيق السردية الأردنية، استنادا إلى التوجيهات التي أطلقها سمو ولي العهد من الطفيلة الهاشمية، والتي التقطتها وزارة الثقافة وحولتها إلى مبادرة وبرنامج تدريبي يهدف إلى توثيق الأردن بالصورة وإبراز جمالياته وتنوعه.
اقرأ أيضا: 20 جنيها تراجعا في أسعار الذهب بالصاغة خلال التعاملات المسائية
وأوضح العياصرة أن الدورة التدريبية انطلقت من محافظة البلقاء، ثم انتقلت إلى محافظة عجلون، وها هي اليوم تنفذ في محافظة مادبا، بهدف توثيق السردية الأردنية وإظهار جمالية مادبا ودورها في هذه السردية، بما تحمله من تاريخ وتراث ومواقع دينية وأثرية وثقافية، إلى جانب ما تمثله من نموذج للتفاعل بين الأرض والإنسان.
وأضاف أن السردية الأردنية لا تتعلق بالمكان وحده، وإنما تقوم على ثنائية الأرض والإنسان، وما بينهما من حكايات وذاكرة وتاريخ وتفاصيل تشكل الهوية الوطنية، مشيرا إلى أن الصورة قادرة على التقاط هذه التفاصيل وحفظها وتقديمها للأجيال.
وبين أن إقامة الدورة في مادبا تأتي بتوجيهات من وزير الثقافة، وضمن رؤية ورسالة وزارة الثقافة في دعم الإبداع واكتشاف المواهب الشبابية، موضحا أن الهدف لا يقتصر على تعليم المشاركين مهارات التصوير، وإنما اكتشاف طاقات شابة قادرة على توثيق الأردن من خلال الصورة وإعادة تقديم الأماكن والمواقع من زوايا جديدة.
وأشار إلى أن الدورة تفتح أمام المتدربين آفاقا مستقبلية في مجال التصوير، وتمنحهم المعرفة والخبرة التي يمكن أن تساعدهم على تطوير مواهبهم والعمل لاحقا في هذا المجال، مؤكدا أن الاستثمار في الشباب يمثل أحد أهم مسارات العمل الثقافي، وأن الصورة أصبحت أداة فاعلة في توثيق الذاكرة والتعريف بالمواقع السياحية والثقافية والتراثية في المملكة.
وتستمر الدورة على مدار تسعة أيام، يتلقى خلالها المشاركون تدريبات على أساسيات التصوير واستخدام الكاميرا، والتعامل مع الضوء والظل والتكوين والزوايا، إلى جانب تطبيق ما يتعلمونه ميدانيا في عدد من المواقع السياحية والأثرية والتراثية في محافظة مادبا.
وضمن الجانب العملي، قام المشاركون بزيارة إلى موقع جبل نيبو السياحي، حيث طبقوا ما تعلموه من مهارات، وحاول كل مشارك تقديم المكان من زاويته الخاصة، مستفيدا من تنوع المشاهد الطبيعية والتاريخية التي يوفرها الموقع.
ويعد جبل نيبو من المواقع الدينية المهمة في الأردن، وهو أحد المواقع الخمسة المعتمدة ضمن مسار الحج المسيحي، ما يمنحه أهمية دينية وتاريخية وسياحية، ويجعله موقعا غنيا للتصوير والتوثيق.
من جانبه، يقول المشرف على الدورة، المصور سامي الزعبي، إن التطبيق الميداني يشكل جزءا أساسيا من البرنامج، لأنه ينقل المشاركين من المعرفة النظرية إلى الممارسة، ويمنحهم فرصة للتعامل مع ظروف التصوير الحقيقية واختيار الزوايا والتكوين والضوء واللحظة المناسبة.
ويؤكد الزعبي أن التصوير لا يقتصر على الضغط على زر الكاميرا، بل هو رؤية وفكرة وإحساس بالمكان، مشيرا إلى أن الهدف من الدورة هو صقل المواهب ورفع مستوى الوعي البصري لدى المشاركين، وتمكينهم من تقديم المكان الأردني بصورة مختلفة.
وتقول المشاركة مريم الرواشدة إن الدورة ساعدتها على النظر إلى التصوير من زاوية مختلفة، واكتشاف أهمية التفاصيل في بناء الصورة والتعبير عن المكان.
وترى الفنانة التشكيلية ملك خالد أن التصوير يلتقي مع الفن التشكيلي في عناصر التكوين والضوء واللون والظل، مؤكدة أهمية امتلاك المصور رؤية فنية إلى جانب المهارة التقنية.
ويشير المشارك محمد إبراهيم أبو صبح إلى أن الدورة نقلته من التقاط الصور الاعتيادية إلى فهم أوسع لفن التصوير، خصوصا في ما يتعلق بمثلث التعريض وفتحة العدسة وسرعة الغالق وحساسية الضوء، مؤكدا أن الصورة أصبحت بالنسبة له وسيلة لتوثيق المكان والسردية الأردنية.
وتقول المشاركة شهد أمجد أبو رياش، من محافظة مادبا، إن مشاركتها في المشروع كانت تجربة مميزة عززت اهتمامها بتوثيق السردية الأردنية من خلال الصورة الفوتوغرافية، مشيرة إلى أن الدورة أضافت لها مهارات جديدة في التصوير وجعلتها أكثر قدرة على رؤية تفاصيل المكان وتقديمها بصورة مختلفة.
وتتقدم أبو رياش بالشكر إلى وزارة الثقافة على تبنيها مثل هذه المشاريع التي تدعم الشباب وتنمي مواهبهم، كما تشكر مشرف المشروع المصور سامي الزعبي على دعمه وتوجيهه للمشاركين، متمنية استمرار المشروع في مختلف محافظات المملكة لتعم الفائدة.
وتقول المشاركة آية عريقات إن المشروع أتاح لها فرصة تطوير مهاراتها في التصوير والتعرف بصورة أعمق إلى تاريخ وتراث مادبا، مؤكدة أنها أصبحت ترى تفاصيل المكان بطريقة مختلفة وتحاول أن تحكي حكايته من خلال الصورة.
اقرأ أيضا: المشهد اليمني – باحث سعودي: تحالف جديد لدعم الشرعية اليمنية بعد اتفاقية مكة
من جانبها، تقول المشاركة بان سالم، وهي عراقية مقيمة في الأردن، إن المشروع أتاح لها فرصة المساهمة في توثيق الأردن بالصورة، مشيرة إلى أن فسيفساء مادبا تختصر جانبا من تاريخ المدينة، وأن «مادبا ليست مجرد خريطة على قماشة، بل هي أرض العز والفن، وكل حجر فيها يحكي قصة وتاريخا».
ومن المقرر أن تتواصل الزيارات الميدانية إلى عدد من المواقع السياحية والأثرية والتراثية الأخرى في مادبا، بما يتيح للمشاركين التصوير في بيئات ومشاهد مختلفة، والتعرف إلى تفاصيل جديدة من تاريخ المحافظة وذاكرتها.
وفي ختام الدورة، التي تمتد تسعة أيام، سيقام معرض خاص لصور المشاركين، ليكون ثمرة للتجربة التدريبية وفرصة لعرض أعمالهم أمام الجمهور، وإظهار اختلاف الرؤى والزوايا والأساليب التي اكتسبوها خلال الدورة.
ويشكل المعرض محطة مهمة في تجربة المشاركين، إذ يقدم حصيلة رحلة جمعت بين المعرفة والممارسة، ويمنح المواهب الشابة فرصة لمواصلة تجربتها في التصوير وتطوير أعمالها مستقبلا.
وهكذا يمضي مشروع «أردننا في عيوننا.. من الهواية إلى الاحتراف» في مادبا، حاملا شعار «شوف، حب، صور»، ليمنح المشاركين فرصة لاكتشاف المكان بعين جديدة، وتحويل الكاميرا إلى وسيلة لحفظ الذاكرة وتوثيق الجمال والتاريخ.
فالصورة هنا ليست مجرد إطار يحفظ مشهدا عابرا، وإنما وثيقة تحمل حكاية المكان، وتقدم الأردن بعيون أبنائه ومحبيه، وتضيف إلى السردية الأردنية صورا جديدة تبقى شاهدة على مدينة تختزن في كل حجر من حجارتها قصة.

اقرأ أيضا: مورينيو أصبح علامة تجارية ضخمة.. فهل يكتمل النجاح مع ريال مدريد؟
