أ.د. أحمد بن محمد الزائدي
أعاد حديث معالي وزير التعليم في المؤتمر الصحفي الحكومي عن توجه الجامعات السعودية إلى بناء هويات تخصصية تعكس مجالات تميزها طرح سؤال يتجاوز التعريف بالمؤسسات الأكاديمية: ما القدرة الوطنية التي يمكن أن تطورها الجامعة حين يرتبط تميزها بأولويات التنمية؟ يكتسب هذا السؤال أهميته من رؤية السعودية 2030، وما تتطلبه من جامعات تسهم في بناء اقتصاد ومجتمع المعرفة.
اقرأ أيضا: المملكة تُرشح الدكتورة بلخي لمنصب المدير العام لمنظمة الصحة العالمية
أشار الوزير إلى جامعة الملك فيصل في الأمن الغذائي والاستدامة البيئية، وجامعة جدة في النقل والخدمات اللوجستية، وجامعة أم القرى في الحج والعمرة وإدارة الحشود، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في اللغة العربية والشريعة الإسلامية. وتكشف هذه الأمثلة توجهًا يربط مجالات التميز الجامعي باحتياجات علمية واقتصادية ومجتمعية واضحة.
تتجاوز أهمية هذا التوجه الجامعات الأربع؛ إذ يفتح المجال لبناء منظومة جامعية تتنوع فيها مجالات التميز، وتتوزع قدراتها البحثية وفق الأولويات الوطنية، وتتكامل أدوارها في تطوير القطاعات والخدمات وإنتاج المعرفة. ويعني ذلك أن قيمة الجامعة ترتبط بما تضيفه إلى محيطها، إلى جانب دورها في إعداد الخريجين وتقديم البرامج الأكاديمية.
تختلف المجالات المطروحة في طبيعتها، لكن آثارها تتداخل. فالأمن الغذائي والاستدامة يجمعان البحث والإنتاج وإدارة الموارد، وترتبط الخدمات اللوجستية بكفاءة النقل وسلاسل الإمداد وجودة الخدمات. ويحمل الحج والعمرة أبعادًا إنسانية واقتصادية وتنظيمية، بينما تمتد اللغة العربية والشريعة الإسلامية من الإنتاج العلمي والثقافي إلى التطبيقات الرقمية والتقنيات اللغوية . لذلك لا تقاس هذه الهويات بمؤشرات متماثلة.
يبدأ بناء الهوية بتحديد مجال التميز، لكنه يحتاج إلى تراكم علمي وكفاءات مؤهلة وبرامج نوعية وشراكات تتصل باحتياجات الواقع. وتظهر قيمته عندما تتحول الأبحاث إلى حلول مستخدمة، وتتطور الخبرات التي يحتاجها القطاع، وتتسع دائرة الاستفادة من المعرفة التي تنتجها الجامعة.
يحافظ هذا التوجه على التنوع الأكاديمي؛ لأن المشكلات الكبرى تحتاج إلى تخصصات متعددة. فالأمن الغذائي يجمع الزراعة والمياه والهندسة والاقتصاد، وإدارة الحشود تستند إلى الصحة والنقل وتحليل البيانات والسلوك الإنساني. وتبقى العلوم الأساسية والإنسانية جزءًا من البنية التي تمنح مجالات التميز قدرتها على التطور.
توضح الجامعات العالمية المتقدمة إمكان الجمع بين وضوح مجال التأثير والتنوع الأكاديمي. ففي الولايات المتحدة ارتبط معهد ماساتشوستس للتقنية بالعلوم والهندسة والابتكار، وأسهمت ستانفورد في نمو البيئة التقنية والاستثمارية المحيطة بها. وفي بريطانيا بنت كامبريدج حضورًا مؤثرًا في البحث ونقل المعرفة والشركات الناشئة. وتندرج الجامعات الثلاث ضمن العشر الأوائل عالميًا في تصنيف «كيو إس» لعام 2027.
قدرت دراسة تناولت عام 2020-2021 القيمة المضافة الإجمالية المرتبطة بأنشطة كامبريدج بأكثر من ١٣ مليار جنيه إسترليني. وتمثل القيمة المضافة إحدى الصور التي يظهر من خلالها إسهام النشاط الاقتصادي في الناتج المحلي، لكنها لا تعني نسبة نمو الاقتصاد إلى الجامعة أو اعتبارها مسؤولة عن أداء قطاع كامل. وتكشف التجربة أهمية الصلة بين البحث والابتكار والاستثمار والجهات التي تطبق المعرفة.
يستند توجه جامعة الملك فيصل إلى اهتمام مؤسسي بالأمن الغذائي والاستدامة البيئية، ويمكن أن يمتد أثره إلى تطوير الزراعة في البيئات الجافة، ورفع كفاءة استخدام المياه، وتقليل الفاقد الغذائي. وتتقاطع هوية جامعة جدة مع مستهدفات برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية، من خلال بحوث وشراكات تتصل بالموانئ والمطارات وشبكات النقل، وتساعد على تقليص زمن المناولة وتحسين سلاسل الإمداد.
تملك جامعة أم القرى تراكمًا بحثيًا وبيئة ميدانية يرتبطان بمستهدفات برنامج خدمة ضيوف الرحمن. وتظهر فرصتها في تطوير نماذج لإدارة الحشود والنقل والصحة والسلامة والخدمات الرقمية، بما يحسن تجربة الحجاج والمعتمرين، ويدعم كفاءة التشغيل، ويتيح إنتاج معرفة تطبيقية يمكن الاستفادة منها في التجمعات الكبرى.
اقرأ أيضا: انخفاض الصادرات السلعية 4.5% في يونيو 2026
يرتبط تاريخ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية باللغة العربية والشريعة الإسلامية، وتتمثل فرصتها في توسيع الإنتاج المعرفي في هذين المجالين، وتطوير المحتوى العلمي، وتعليم العربية، وبناء قواعد البيانات اللغوية وأدوات معالجة اللغة، وتحديث البحث الشرعي في القضايا المعاصرة. وتجمع هذه المسارات بين الحضور الثقافي، ونشر المعرفة، وتطوير تطبيقات تخدم المجتمع والاقتصاد الرقمي.
تترسخ مجالات التميز عندما تؤثر في تمويل البحوث، واستقطاب الكفاءات، وبرامج الدراسات العليا، ومشروعات الطلبة، بما ينسجم مع مستهدفات برنامج تنمية القدرات البشرية. ويحتاج ذلك إلى شراكة متبادلة تقدم فيها الجامعة خبراتها العلمية، وتتيح المؤسسات المعنية البيانات ومواقع التجريب والتحديات التي تحتاج إلى معالجة، مع توفير فرص تطبيق النتائج وتطويرها.
قد تتحول الهوية إلى عنوان شكلي إذا لم تستند إلى قدرة علمية وطلب حقيقي وشراكات مستمرة. كما أن التكرار غير المنسق بين الجامعات قد يشتت الموارد، بينما يساعد التعاون على بناء شبكات بحثية تتكامل فيها الخبرات. وتزداد قوة المنظومة حين ينسجم اختيار مجالات التميز مع إمكانات الجامعات واحتياجات المناطق والأولويات الوطنية.
تظهر قيمة هذا التوجه في بعدين متكاملين. يتعلق الأول باقتصاد المعرفة، من خلال رفع الإنتاجية وتطوير التقنيات وإنشاء الشركات وتأهيل الكفاءات. ويتصل الثاني بمجتمع المعرفة، عبر نشر الثقافة العلمية، وتحسين الخدمات، وتيسير الوصول إلى المحتوى المعرفي، وتعزيز مكانة اللغة العربية. ولا يختزل نجاح الجامعة في العائد التجاري، كما لا يكفي الإعلان عن دورها الثقافي دون نتائج ملموسة.
تختلف مؤشرات الأثر تبعًا للمجال؛ فقد يظهر إسهام الجامعة في رفع كفاءة استخدام المياه ضمن مشروع تطبيقي، أو تقليص زمن المناولة من خلال حل لوجستي، أو تحسين خدمة مرتبطة بالحج والعمرة، أو توسيع الموارد الرقمية للغة العربية. ويتطلب الحكم على هذه النتائج ربطها بالمشروعات التي شاركت الجامعة في تطويرها، والتمييز بين إسهامها الفعلي والأداء الكلي للقطاع.
تحتاج رؤية السعودية 2030 إلى جامعات تتنوع قدراتها، وتتكامل أدوارها، وتتصل بما يحتاجه الاقتصاد والمجتمع من معرفة وخبرات. ويبقى السؤال الذي يكشف جدوى هوياتها التخصصية: ما القدرة الوطنية التي أصبحت أقوى لأن الجامعة جعلتها مجالًا لتميزها؟
اقرأ أيضا: أمطار ورياح مثيرة للأتربة على جازان وعسير والباحة ومكة والمدينة
