مرثية الشغف الأخير: عندما تخلَّى التاريخ عن الرقم 7

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

لكلِّ حكايةٍ في هذا الكون نقطةٌ آخرُ السَّطر، لكنَّنا لم نكن مستعدِّين قط لرُؤية القلم، وهو يُرفع عن كتابة التَّاريخ الدوليِّ لكريستيانو رونالدو. إنَّ حزن المحبِّين اليوم، ليس مجرَّد حزن على لاعب يغادر العشب الأخضر مرتديًا قميص بلاده، بل هو بكاء على حقبةٍ كاملةٍ من حياتنا؛ حقبة كبرنا فيها على وقع خطواتِهِ، وشِخنَا مع كلِّ قطرة عرق ذرفَها في سبيل المجد. لقد كان “الدون” لمدَّة تقارب ربع القرن بمثابة صمَّام الأمان لشغفِنَا الرياضيِّ، والرَّجل الذي علَّمنا أنَّ السقوط هو مجرَّد خطوة أولى نحو ارتقاء أعلى.
انطفأت منارة الـ”سيليساو”، لكن الوهج في قلوب العاشقِين لن يخبو؛ هكذا يمكن اختصار ذلك الوجوم الذي خيَّم على ملاعب كرة القدم وميادينها عقب إعلان الأسطورة كريستيانو رونالدو إسدال الستار على مسيرته الدوليَّة الحافلة. ولم تكن الرياض بعيدةً عن هذا المشهد الشاعريِّ؛ حيث تزيَّنت الشَّاشات الرقميَّة العملاقة بصوره مرتديًا قميص بلاده، موشَّحة بعبارات الوداع باللُّغتين العربيَّة والإنجليزيَّة، لتعكس حجم الغصَّة الممتدَّة من لشبونة إلى قلب العاصمة السعوديَّة.
نعم كان للحزن طعمٌ آخرُ، طعمٌ دافئٌ ومثقلٌ بالوفاء. هنا، امتزجت مشاعرُ الجماهير السعوديَّة والعالميَّة في صمتٍ مهيبٍ، حيث يقف الجميعُ مذهولِين أمام حقيقة أنَّ الرقم 7 لن يظهر مجدَّدًا في المحافل الموندياليَّة، أو القاريَّة باللَّونين الأحمر والأخضر.
لكن المثير في حزن المحبِّين، أنَّه حزنٌ يملأه الفخرُ. فبينما تتوقَّف دقات الساعات الدوليَّة عند أرقام إعجازيَّة ستبقى عصيَّةً على الكسر لعقودٍ طويلةٍ، يدرك العشاقُ أنَّ رونالدو لم يترك الساحة الدوليَّة؛ لعدم قدرته على العطاء، بل لأنَّه اختار أنْ يرحل وهو في قمَّة الكبرياء الكرويِّ. وعلى الرغم من الهوامش، أو الخلافات العابرة التي قد تطرأ في الأيام الأخيرة، إلَّا أنَّ المتفق عليه هو أنَّ شارة القيادة البرتغاليَّة ستفتقد من منحها هيبتها الأعظم.
إنَّ العزاء الوحيد الذي يواسي قلوبنا المنكسرة، هو أنَّ الأسطورة لا يزال ينبضُ بالحياة هنا بيننا. صحيح أنَّ رحلته مع البرتغال قد كُتب فصلها الأخير، إلَّا أنَّ فصول إمتاعه بقميص النصر ما زالت مستمرَّة على أراضينا. ستنام شوارعُ الرياض اللَّيلة وهي تلفع أضواءها بوقارِ الوداع، وسيظلُّ صدى صرخته الشهيرة “Siuuu” يتردَّد في ذاكرة كلِّ مدرج. شكرًا كريستيانو؛ لأنَّك جعلت طفولتنا وشبابنا أجمل، وداعًا لقصَّة دوليَّة صاغت وجدان كرة القدم الحديثة.

اقرأ أيضا: أمانة الشرقية تعزز الغطاء النباتي حول المدينة العالمية بالدمام

‫0 تعليق

اترك تعليقاً