للوَرَق ذاكرة لا تحفظها الشاشات

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

يعرف ذلك جيلٌ كان يبدأ صباحه بصوت تقليب صفحات الصحيفة، ويعرف رائحة الحبر قبل أن يعرف صوت الإشعارات. الجريدة بالنسبة إلى محبيها طقس يومي، تُطوى تحت الذراع، وتُترك على طاولة المكتب، وتُقص منها المقالات والصور، وربما بقي عددٌ قديم منها لسنوات لأنه حمل خبراً لا يريد صاحبه أن ينساه.

لكن الصحافة التي عاشت قرناً تقريباً على صوت المطابع، باتت تسمع اليوم صوتاً أعلى قادماً من الشاشات.

اقرأ أيضا: سائح كويتي يشيد بكرم الشعب السعودي: قاعد تخجلون الكرم.. فيديو

وفي أحدث فصول هذا التحول في السعودية، أعلنت مؤسسة «اليمامة» الصحفية وقف الطباعة الورقية لجريدة «الرياض» ومجلة «اليمامة»، والتحول الكامل إلى النشر الرقمي اعتباراً من 24 أغسطس 2026، ليكون إصدار ذلك اليوم آخر نسخة ورقية تصل إلى المشتركين.

وبررت المؤسسة الخطوة بمواكبة التطور في صناعة الإعلام وتغير عادات القراءة، مع استمرار الإصدارين رقمياً وإتاحتهما بصيغة PDF إلى جانب المحتوى المتجدد عبر المنصات الإلكترونية.

المفارقة أن «اليمامة» نفسها كانت قد احتفلت قبل شهرين فقط بمرور 75 عاماً على تأسيسها، بوصفها أول مطبوعة إعلامية تصدر في العاصمة الرياض، وخرج عددها التذكاري آنذاك بنسختين ورقية ورقمية؛ وكأن الاحتفال كان، من دون قصد، صورة أخيرة لزمن اجتمع فيه الورق والشاشة قبل أن يفترقا.

ثلاث طرق أمام الصحافة السعودية

قرار «اليمامة» يعيد فتح ملف الصحافة الورقية في المملكة، لكنه يكشف أيضاً أن المؤسسات السعودية لم تتعامل مع تراجع الورق بالطريقة نفسها؛ إذ يمكن قراءة المشهد من خلال ثلاثة نماذج رئيسية:

الأول: وداع الورق.. والبقاء رقمياً

هنا اختارت المؤسسة أن تنهي تكلفة الطباعة والتوزيع، لكنها لم تنه الصحيفة نفسها؛ بل نقلتها إلى الشاشة.

وتدخل «الرياض» و«اليمامة» الآن بوضوح ضمن هذا النموذج؛ فالقرار ليس إغلاقاً للمؤسستين التحريريتين، وإنما تغيير لوسيلة الوصول إلى القارئ: من ورقة تصل إلى المنزل إلى محتوى يصل إلى الهاتف.

وسبقتها «البلاد» في سبتمبر 2022 حين أعلنت توقف نسختها الورقية «مؤقتاً» مع استمرار الصحيفة رقمياً، مبررة القرار بظروف الطباعة، ومؤكدة استمرارها عبر الوسائط الرقمية. ولذلك تظل حالة «البلاد» مختلفة من الناحية الرسمية؛ إذ كان الإعلان عن توقف مؤقت وليس إلغاء نهائي للطباعة.

والمغزى الاقتصادي هنا واضح: المؤسسة لا تتخلى بالضرورة عن الصحافة، بل تتخلى عن أغلى حلقاتها التقليدية؛ الورق والطباعة والنقل والتوزيع، في وقت أصبح فيه الخبر يصل إلى القارئ قبل أن تتمكن المطبعة أصلاً من إخراج الصفحة الأولى.

الثاني: ورق يتراجع لكنه لم يرفع الراية البيضاء

في المقابل، لا تزال صحف ومطبوعات سعودية تحافظ بدرجات متفاوتة على وجود الورق إلى جانب منصاتها الرقمية.

والمشهد هنا لا يعني أن الورق يعيش عصره الذهبي؛ بل إن وجوده أصبح أكثر انتقائية، بينما تحولت المواقع والتطبيقات وحسابات التواصل إلى الواجهة الأسرع للوصول إلى الجمهور.

ومن الأمثلة اللافتة «مكة»، التي ما زال موقعها حتى 2026 يعرض قسماً لـ«الجريدة الورقية» وتصفح العدد، بما يعكس نموذج الجمع بين هوية المطبوعة والمنصة الرقمية.

كما تظل «أم القرى» حالة مختلفة بحكم وظيفتها الرسمية؛ ففي مايو 2026 أطلقت هويتها البصرية الجديدة، في خطوة قالت وكالة الأنباء السعودية إنها تستهدف الموازنة بين إرث الجريدة التاريخي ومتطلبات التحول الرقمي.

لكن حتى لدى المؤسسات التي تحافظ على الورق، تغيرت المعادلة: لم يعد السؤال فقط «كم نسخة نطبع؟»، بل «هل ما تزال تكلفة وصول النسخة إلى القارئ تبرر طباعتها؟».

فالمشكلة لم تبدأ من المطابع وحدها. ففي 2019 توقفت خدمات توزيع بعض الصحف في مدن ومحافظات سعودية بسبب ضعف الإقبال وعدم قدرة الإيرادات على تغطية تكاليف التوزيع، ثم عاد ملف تكاليف توزيع الصحف الورقية إلى الواجهة بصورة أكبر في السنوات التالية.

وهنا ربما خسر الورق معركته الأصعب: ليس إنتاج الخبر، وإنما إيصال الورقة التي تحمله.

الثالث: من إيقاف الورق إلى توقف الصحيفة نفسها

وهو السيناريو الأكثر قسوة.

فليس كل من غادر المطبعة نجح بالضرورة في بناء حياة طويلة على الشاشة. بعض التجارب أثبتت أن إلغاء الورق يمكن أن يكون بداية تحول ناجح، بينما تحولت تجارب أخرى من إيقاف النسخة المطبوعة إلى توقف المؤسسة نفسها.

ومن أبرز النماذج المرتبطة بالسوق السعودي صحيفة «الحياة»؛ إذ أوقفت نسختها الورقية الدولية عام 2018 واتجهت إلى النشر الإلكتروني، في ظل تراجع دخل الإعلانات والتحول من النشر الورقي إلى الرقمي.

لكن التجربة لم تتوقف عند مغادرة الورق؛ ففي العام التالي توقف الموقع الإلكتروني للصحيفة أيضاً، لتنتهي تجربة إعلامية امتدت عقوداً.

اقرأ أيضا: بترورابغ توفر 10 وظائف شاغرة

كما أشارت تقارير سعودية سابقة إلى «الشرق» ضمن الصحف التي أعلنت توقفها نهائياً عن الصدور، وهو ما يضعها في نموذج مختلف تماماً عن الصحيفة التي تلغي الورق وتنجح في بناء مؤسسة رقمية مستدامة.

الورق لم يخسر القارئ فقط بل خسر الزمن

المشكلة إذن أكبر من حنين جيل إلى رائحة الحبر.

فالصحيفة الورقية تدخل كل صباح سباقاً غير متكافئ مع هاتف لا ينام؛ خبر يقع في منتصف الليل يمكن أن يصل إلى ملايين القراء خلال ثوانٍ، بينما يحتاج الورق إلى تحرير وصفّ وطباعة ونقل وتوزيع، ليصل في الصباح بخبر ربما أصبح في العالم الرقمي «قديماً».

ولهذا لم يعد التحول الرقمي ترفاً تحريرياً بقدر ما أصبح سؤالاً عن اقتصاديات صناعة الصحافة نفسها: أين يوجد القارئ؟ وأين يذهب المعلن؟ وكم تبلغ تكلفة الوصول إليهما؟

ومع ذلك، يبقى الورق محتفظاً بشيء يصعب قياسه بالأرقام: الهيبة والذاكرة والطقس. فالصفحة الأولى التي تؤرخ لحدث وطني كبير تختلف في الوجدان عن صورة تمر سريعاً في شاشة هاتف، والعدد الذي يحتفظ به القارئ عشرين عاماً لا يشبه رابطاً قد يضيع وسط آلاف الروابط.

لهذا فإن رحيل الورق لا يعني بالضرورة رحيل الصحيفة، مثلما أن البقاء على الورق لا يضمن بقاءها.

وبعد «الرياض».. ماذا؟

في 24 أغسطس ستخرج آخر نسخة ورقية من «الرياض»، لكن السؤال الحقيقي سيبدأ في اليوم التالي.

هل تنجح الصحيفة في تحويل تاريخها الطويل وثقل اسمها وقاعدة قرائها إلى مؤسسة رقمية أكثر سرعة وتأثيراً، ليصبح إغلاق المطبعة مجرد انتقال ناجح من وسيط إلى آخر؟

أم أن التوقف عن الورق سيكون أول خطوة في طريق أكثر صعوبة، كما حدث مع نماذج بدأت بإطفاء المطابع، ثم انتهت لاحقاً بإطفاء المنصة نفسها؟

ربما تطوي «الرياض» صفحة الورق فقط..

لكن التاريخ وحده سيجيب: هل كانت تلك الصفحة الأخيرة من فصلٍ قديم، أم بداية الفصل الأخير؟

اقرأ أيضا: عادة خاطئة ترفع الضغط أثناء قياسه 10 ملم زئبق

‫0 تعليق

اترك تعليقاً