لم تعد مجموعات الواتساب مجرد وسيلة للتواصل كما كانت في بداياتها؛ فقد تحولت، مع مرور الوقت، إلى عالمٍ واسع من التجمعات التي يجد الإنسان نفسه داخلها دون أن يختارها، ودون أن يُسأل إن كان يرغب في الانضمام إليها أصلًا. يكفي أن يقرر أحدهم، بحسن نية أو بغيرها، أن يضيفك إلى مجموعة ما، حتى تجد نفسك في لحظة واحدة عضوًا في مساحة لم تطلبها، ولم تخطط لها، وربما لا تعرف حتى لماذا أصبحت جزءًا منها.
تفتح هاتفك ذات صباح، فتجد عشرات الرسائل المتراكمة، ومئات الإشعارات، ونقاشات لا تعرف بدايتها، وموضوعات لا تعنيك نهايتها، وأسماءً قد لا تعرف أصحابها، وأحاديث تتكرر بلا غاية، وكأن العالم قرر أن يقتطع من يومك جزءًا صغيرًا دون أن يستأذنك.
اقرأ أيضا: الاتحاد يكثف جهوده لضم إمام عاشور
والأمر في حقيقته ليس متعلقًا بالواتساب وحده، ولا بالمجموعات الإلكترونية تحديدًا؛ وانما هو صورة صغيرة من ظاهرة أكبر في حياتنا: أننا كثيرًا ما نجد أنفسنا في أماكن لم نخترها، وعلاقات لم نسعَ إليها، ونقاشات لم نرغب في خوضها، والتزامات لم نمنحها من وقتنا واهتمامنا شيئًا.
ولذلك، فإن مغادرة المجموعة التي لا تضيف إلى حياتك شيئًا ليست بالضرورة تصرفًا جافًا، ولا دليلًا على التعالي أو الانعزال كما قد يظن البعض. قد تكون، في أحيان كثيرة، فعلًا من أفعال الوعي.
فالإنسان الذي أدرك قيمة وقته لا يستطيع أن يمنحه لكل شيء.
والإنسان الذي عرف قيمة ذهنه لا يسمح لكل حديث أن يسكن فيه.
والإنسان الذي أدرك أن عمره محدود، يبدأ بالتمييز بين ما يستحق أن يمنحه انتباهه، وما ينبغي أن يتركه يمضي دون أن يلتفت إليه.
نحن نعيش في زمنٍ أصبحت فيه المعلومات أكثر من قدرتنا على استيعابها، والأصوات أكثر من حاجتنا إلى سماعها، والرسائل أكثر من الوقت الذي نملك للرد عليها. ولهذا لم يعد التحدي الحقيقي أن تجد شيئًا تقرأه أو شخصًا تتحدث إليه، وإنما أصبح التحدي أن تعرف ما الذي يستحق أن تقرأه، ومن الذي يستحق أن تمنحه من وقتك، وما الذي يستحق أن يكون له مكان في يومك.
ومن هنا تأتي قيمة كلمة بسيطة قد تبدو للوهلة الأولى عادية جدًا: “مغادرة المجموعة”.
قد تضغط زر “مغادرة المجموعة” في ثوانٍ، لكن المعنى الذي يقف خلف هذا الزر أكبر بكثير من مجرد خروج إلكتروني.
إنك تقول، بطريقة هادئة: لست مضطرًا إلى البقاء في كل مكان أُدخل إليه.
وتقول أيضًا: وقتي ليس فائضًا إلى الحد الذي يسمح لي بأن أستهلكه في كل نقاش، وكل رسالة، وكل صورة، وكل خبر، وكل مزحة، وكل حديث لا غاية منه.
إنها ليست خصومة مع أحد، ولا إعلانًا للعداء، ولا رفضًا للأشخاص بالضرورة؛ إنها في كثير من الأحيان اختيار لما يناسبك أنت.
فليس كل تجمعٍ جديرًا بالبقاء، وليس كل كثرةٍ قيمة، وليس كل تواصلٍ تواصلًا حقيقيًا.
قد تجد مجموعة تضم عشرات الأشخاص، لكنها لا تمنحك فكرة واحدة جديدة، ولا معرفة نافعة، ولا تجربة ثرية، ولا حوارًا يستحق الإصغاء. وقد تجد، في المقابل، حديثًا واحدًا مع إنسان واعٍ يفتح أمامك بابًا من التفكير لم تكن تراه من قبل.
وهنا ندرك أن القيمة لا تقاس بعدد الأشخاص، وإنما بما يتركه حضورهم فينا.
ليست المشكلة في كثرة المجموعات بحد ذاتها، وإنما في أن تتحول هذه المجموعات إلى ضجيج دائم يحتل مساحات من يومنا وذهننا، دون أن يمنحنا في المقابل ما يوازي ذلك من فائدة.
ولعل أكثر ما نحتاج إليه في هذا العصر هو أن نتعلم فن الانتقاء.
أن نعرف أن قول “لا” ليس إساءة.
وأن الانسحاب ليس دائمًا هروبًا.
وأن الصمت ليس فراغًا.
وأن الابتعاد عن بعض المساحات قد يكون اقترابًا أكبر من أنفسنا.
كم من وقت ضاع منا لأننا شعرنا بالحرج من مغادرة مكان لا يناسبنا؟
وكم من طاقة ذهنية استنزفت لأننا اعتقدنا أن علينا أن نكون حاضرين في كل شيء؟
وكم من إشعار قطع علينا لحظة تركيز، وكم من نقاش عابر أخذ من يومنا ما لا يستحق، وكم من مجموعة بقينا فيها فقط لأننا لا نريد أن يُساء فهم خروجنا منها؟
لكن الحقيقة أن الإنسان ليس مطالبًا بأن يبرر كل اختيار يخص وقته.
فكما يختار ما يقرأ، وما يشاهد، وما يتعلم، ومن يصاحب، فمن حقه أيضًا أن يختار ما الذي يسمح له بأن يحتل مساحة من يومه وذهنه.
إن الوقت هو رأس مالنا الذي لا يعود.
والانتباه هو العملة التي ندفعها في كل شيء.
وحين نمنح انتباهنا لمجموعة لا تضيف إلينا شيئًا، فنحن لا نخسر دقائق الرسائل وحدها؛ ولكن نخسر جزءًا من تركيزنا، وهدوءنا، وربما قدرتنا على أن نمنح اهتمامنا لما هو أكثر أهمية.
اقرأ أيضا: الدولار قرب أدنى مستوياته في أشهر مع تراجع عوائد سندات الخزانة
لهذا أصبحت مغادرة بعض المجموعات مكسبًا حقيقيًا، لا خسارة.
مكسبًا في الوقت.
ومكسبًا في الهدوء.
ومكسبًا في التركيز.
ومكسبًا في المساحة الذهنية.
ليس مطلوبًا من الإنسان أن يكون حاضرًا في كل مجلس حتى يكون اجتماعيًا، ولا أن يشارك في كل مجموعة حتى يكون متواصلًا، ولا أن يقرأ كل ما يُرسل إليه حتى يكون مهتمًا بالآخرين.
هناك فرق كبير بين التواصل والاستنزاف.
وبين الحضور والوجود الشكلي.
وبين أن تكون قريبًا من الناس، وأن تكون متاحًا لهم في كل لحظة.
وقد يكون من أجمل أشكال النضج أن تدرك أن حياتك ليست ساحة مفتوحة لكل ما يطرق بابها.
فبعض الأبواب ينبغي أن تُفتح، وبعضها ينبغي أن تبقى مغلقة، وبعضها الآخر ينبغي أن نعرف متى نغلقه بعد أن ندرك أن ما وراءه لم يعد يضيف إلينا شيئًا.
ولعل أجمل ما يمكن أن نصل إليه في عصرٍ يزدحم بالأصوات والإشعارات والمجموعات، أن نتعلم كيف نحمي هدوءنا من الضجيج، ووقتنا من الهدر، وعقولنا من التكدس.
فليس كل ما يصل إلى هاتفك يستحق أن يصل إلى عقلك.
وليس كل من أضافك إلى مجموعة قد منحك سببًا للبقاء فيها.
وأحيانًا…
يكون الضغط على زر “مغادرة المجموعة” واحدًا من أبسط القرارات، لكنه من أكثرها احترامًا لوقتك وحياتك.
اقرأ أيضا: في اليوم العالمي للتصوير.. أسرار المناطق الأكثر جاذبية لكاميرات المحترفين بالمملكة
