صناعة القرار التعليمي في زمن التحولات المتسارعة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

أ.د. أحمد بن محمد الزائدي

تُصنع بعض القرارات لتستجيب للحاضر، أما القرار التعليمي فيصنع مستقبلًا قد لا تظهر ملامحه إلا بعد سنوات. وبين اتخاذه وظهور أثره، قد يُعاد تشكيل العالم أكثر من مرة؛ فتتغير المعرفة والتقنيات، وتتبدل بنية الاقتصاد وسوق العمل.

اقرأ أيضا: النفط يرتفع وسط ضبابية إعادة فتح مضيق هرمز

وتتضح هذه الفجوة الزمنية في سياسات المناهج وإعداد المعلمين وإعادة تعريف دور المدرسة؛ إذ يمتد أثرها سنوات طويلة، فيما تتسارع التحولات بوتيرة تفوق دورة مراجعة السياسات. ويفرض هذا التفاوت تحديًا جوهريًا على صناعة السياسة التعليمية؛ فالقرار يُبنى في حاضر معلوم، لكنه يُختبر في مستقبل ما تزال ملامحه قيد التشكل.

يتعامل القرار التعليمي مع الواقع القائم، ويستند في الوقت ذاته إلى تصور للمستقبل. فكل سياسة تحمل، صراحة أو ضمنًا، تصورًا للإنسان المراد تكوينه، وللمهارات التي سيحتاج إليها، ولموقع التعليم في التنمية. وإذا انحصر هذا التصور في حدود الحاضر، فلن تعوّض كفاءة التنفيذ قصوره؛ فالخلل يبدأ قبل اعتماد القرار، لا بعد تطبيقه.

بناء هذا التصور يحتاج إلى أكثر من الحدس والخبرة المتراكمة. لهذا برزت مراكز الفكر، أو «خزانات التفكير»، لتصل البحث العلمي بصناعة السياسات، وتحوّل الاتجاهات الكبرى والإشارات المبكرة إلى افتراضات وبدائل تدعم القرار. وتعمل إلى جانبها مؤسسات متخصصة في استشراف المستقبل، ومنظمات دولية تطور أطرًا مقارنة للسياسات. فقد طوّرت مؤسسة «راند» منهجيات لتحليل البدائل وبناء السيناريوهات، ويرصد «معهد المستقبل» التحولات بعيدة المدى في التعليم والعمل والتقنية.

قدمت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، عبر مشروع «مستقبل التعليم والمهارات 2030»، إطارًا يجمع المعارف والمهارات والاتجاهات والقيم التي يحتاج إليها المتعلم، ويوجه التفكير في تصميم المناهج والكفايات المستقبلية. واتسع حضور هذه المؤسسات مع تعقّد التحولات، وأصبحت الخبرة الماضية أقل كفاية لبناء سياسات تمتد آثارها إلى عقود مقبلة.

تبني السيناريوهات المستقبلية صورًا محتملة للغد من غير ادعاء التنبؤ به، وتُستخدم لاختبار قدرة القرار على الصمود في كل منها. وتكشف مقارنة البدائل مواطن القوة والهشاشة، وتساعد على بناء سياسات أكثر مرونة أمام الصدمات التي قد تعيد تشكيل البيئة التعليمية سريعًا. وتكمن قيمتها في تحسين القرار الحاضر أمام احتمالات متعددة، لا في ترجيح مستقبل واحد.

تظل فائدتها محدودة إذا بقيت مخرجاتها خارج آليات الحوكمة وصناعة القرار؛ فجودة القرار تتطلب مسارًا مؤسسيًا تصل عبره الإشارات والبدائل إلى مرحلة صياغة السياسات، قبل اعتمادها وقبل أن ترتفع كلفة تغييرها. وحين يغيب هذا المسار، تبقى الدراسات موازية للسياسة بدلًا من أن تسهم في بنائها.

تكشف التجارب الدولية أثر هذه الصلة بين الرؤية والقرار. فقد ربطت الصين خطتها لبناء قوة تعليمية بحلول عام 2035 بمسارها الاقتصادي والعلمي، وجعلت مواءمة التخصصات والبرامج مع التطورات التقنية والأولويات الوطنية جزءًا من تنفيذها، مع تعزيز المجالات الأساسية والناشئة والبينية.

وربطت إستونيا استراتيجيتها التعليمية حتى العام نفسه بتوقع احتياجات المهارات وتحولات سوق العمل، وتطوير قدرات المعلمين، وإتاحة مسارات تعلم أكثر تخصيصًا، وتوسيع البيئة الرقمية. وتظهر التجربتان قيمة الاستشراف حين يتحول إلى اختيارات في المناهج والتخصصات وإعداد المعلمين وبيئات التعلم، لا حين يبقى نشاطًا بحثيًا منفصلًا عنها.

يرتبط استشراف مستقبل التعليم في السياق السعودي بمسار التنمية الوطنية؛ فقد جعلت رؤية المملكة 2030 الاستثمار في الإنسان محورًا للتحول، وربط برنامج تنمية القدرات البشرية مسار التعليم ببناء قدرات المواطن وتعزيز تنافسيته عالميًا.

اقرأ أيضا: برنامج الاستقطاب يفرض معايير محدودة على تعاقدات الأندية

ويزداد الإلحاح اليوم لأن آثار سياسات المناهج وإعداد وتطوير المعلمين وتنظيم المدرسة تحتاج إلى سنوات كي تظهر، فيما تتغير بيئتها بوتيرة أسرع؛ فالذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل إنتاج المعرفة والعمل، وتتبدل الخريطة السكانية واحتياجات سوق العمل. وهذا يقتضي قراءة مستمرة للاتجاهات العلمية والتقنية والاقتصادية والديموغرافية، كي تبني السياسة التعليمية استجابتها قبل أن تتكرس آثارها.

قراءة العالم لا تغني عن بناء معرفة وطنية متجددة تنطلق من خصائص المجتمع السعودي ومسار تطوره. وتستند هذه المعرفة إلى فهم التحولات السكانية وما يترتب عليها من تغير في حجم الاحتياج التعليمي وتوزعه، وإلى مؤشرات سوق العمل ونتائج الاختبارات الوطنية والدولية، وفي مقدمتها «نافس» و«بيرلز» و«تيمز»، فضلًا عن مؤشرات الأداء وما تكشفه الممارسات داخل المدرسة. ويُظهر تحليل هذه المعطيات في سياق واحد الاتجاهات المتشكلة والأولويات التي تستدعيها، ويساعد على تقدير ما قد تتطلبه التحولات المقبلة في المناهج وإعداد المعلمين وأنماط العمل المدرسي وتنويع الفرص التعليمية وتحديثها.

تحتاج صناعة القرار التعليمي إلى منظومة وطنية لاستشراف المستقبل تجمع خبرات الجامعات ومراكز الفكر والمتخصصين في التربية ودراسات المستقبل وتحليل البيانات واقتصاديات التعليم وسوق العمل. وتصل هذه المنظومة بين المعطيات الوطنية والاتجاهات العالمية، وتفسر الإشارات المبكرة في ضوء الهوية الوطنية والسياق الثقافي والاجتماعي.

وتنبثق من هذه العملية سيناريوهات توضح فرص كل مسار ومخاطره، وتتيح اختبار البدائل قبل أن تفرض المتغيرات واقعًا جديدًا. ويمكن لمجلس شؤون التعليم العام أن يربط مخرجات هذه المنظومة بصناعة القرار، من خلال طلب الدراسات الاستشرافية عند النظر في السياسات الكبرى، ومراجعة الافتراضات التي تقوم عليها، ومقارنة البدائل قبل الاعتماد. ولا تتحول المخرجات آليًا إلى قرارات؛ لكنها توسع مجال الاختيار، وتكشف التبعات المحتملة، وتنقل الاستشراف من نشاط بحثي إلى قدرة وطنية متجددة.

يظهر الاختبار الحقيقي لهذه القدرة فيما يصل إلى المدرسة والمتعلم. فالقرار المستند إلى رؤية مستقبلية ينبغي أن ينعكس على محتوى المناهج، وكفايات المعلمين، وطرائق التدريس، والبيئة المدرسية، وأنماط التعلم المتاحة. كما ينبغي أن يُتابع أثره بمؤشرات تُظهر مدى تحقق أهدافه، وما إذا ظلت افتراضاته صالحة، وتتيح مراجعته حين تتغير الظروف. وحين تستقر هذه المراجعة في دورة السياسة، يصبح الاستشراف جزءًا من تعلم مؤسسي يجدد المعرفة ويصحح المسار، ويعزز استدامة القرار عبر تعاقب القيادات.

جعل تسارع التحولات قراءة المستقبل جزءًا من كفاءة النظام التعليمي، بما تعنيه من استبصار اتجاهات التغيير وبناء الخيارات قبل أن تتكرس آثارها. المنظومة الوطنية لاستشراف مستقبل التعليم استثمار في هذه القدرة؛ فالمستقبل الذي سيصل إلى المدرسة بعد سنوات، تبدأ صناعته اليوم من جودة القرار.

اقرأ أيضا: لاعبو غوهور يصدمون لاعبي تشيلسي ويغادرون الملعب قبل تنفيذ ركلات الترجيح

‫0 تعليق

اترك تعليقاً