حين لا يملك الخارج مقبض القرار

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخ

في العلاقات بين الدول، لا يبدأ الابتزاز دائماً من فائض القوة لدى الطرف الآخر، بل قد يبدأ من نقص الخيارات لديك، فالدولة لا تصبح قابلة للضغط لأن خصمها قوي فحسب، بل لأن حاجةً ما أصبحت أضيق من أن تجد لها طريقاً آخر، و لأن مورداً واحداً، أو شريكاً واحداً، أو ممراً واحداً، تحوّل مع الوقت من وسيلةٍ للكفاءة إلى نقطةٍ يستطيع الآخر أن يضع يده عليها.

اقرأ أيضا: الرمث والقيصوم.. تنوع نباتي يزيّن محمية الملك سلمان ويعزز ثروتها الطبيعية

لهذا فإن أخطر ما في الاعتماد ليس أن تحتاج إلى الخارج، فكل دول العالم تحتاج إلى غيرها، و لا توجد دولة حديثة تعيش خارج شبكة المصالح الدولية، بل الخطر أن تتحول الحاجة المتبادلة إلى حاجة أحادية، و أن يصبح ما كان تعاوناً قابلاً لأن يُعاد تسعيره سياسياً عند أول خلاف.

هنا تحديداً يمكن قراءة جانب مهم من التحول السعودي، بعيداً عن القراءة المبسطة التي تختصر تنويع الشراكات في الانتقال من حليف إلى آخر، فالسعودية لا تستبدل اعتماداً باعتماد، و لا تبحث عن مركز جديد تسلّمه مفاتيح المركز القديم، بل تبني وضعاً تكون فيه للدولة طرق متعددة، و شركاء متعددون، و قدرة داخلية متنامية، فلا يحتكر طرفٌ حاجةً سعودية، ثم يحوّل الاحتكار إلى شرط، و الشرط إلى نفوذٍ على القرار.

و هذه ليست فلسفةً دبلوماسية فقط، بل فلسفة دولة، تظهر في الطاقة، و الدفاع، و الصناعة، و التقنية، و الغذاء، و النقل، و سلاسل الإمداد، و الاستثمار، فالميناء ليس مجرد رصيف، و المصنع ليس مجرد خط إنتاج، و المخزون الاستراتيجي ليس مستودعاً، و الطريق البديل ليس زيادةً هندسية بلا معنى، بل مساحة إضافية يتحرك فيها القرار حين تضيق المساحات.

و لعل اللوجستيات هي المثال الأوضح، ففيها فرق بين الكفاءة و المتانة، الكفاءة تسأل عن الطريق الأرخص و الأسرع، أما المتانة فتسأل: ماذا لو انقطع؟ و الدولة التي تبني للكفاءة وحدها قد توفر في زمن الاستقرار ثم تدفع أضعاف ما وفّرته عند الأزمة، أما التي تحتفظ بطريقٍ ثانٍ، و منفذٍ آخر، و مخزونٍ كافٍ، فهي تشتري تأميناً لا تظهر قيمته إلا عندما يضطرب العالم.

و قد رأينا كيف يكفي اضطراب ممر بحري بعيد لكي تتأخر السفن، و ترتفع التكاليف، و يعاد رسم طرق التجارة، لأن مصير السلعة التي تصل إلى بابك قد يكون عُلّق قبل ذلك بآلاف الكيلومترات عند نقطةٍ لا تملك قرارها، لذلك لا تُقاس قوة الشبكة بأقصر طرقها فقط، بل بقدرتها على الاستمرار عندما ينقطع أحدها.

و للسعودية هنا ورقة لا تحتاج إلى اختراع، بل إلى استثمار: دولة بين بحرين، لا بين بحرٍ واحد، و حين ترتبط هذه الجغرافيا بالموانئ، و المطارات، و السكك الحديدية، و المناطق اللوجستية، و شبكات النقل، تتحول الخريطة نفسها من موقع إلى قدرة، و من جغرافيا ساكنة إلى خيار استراتيجي. فالسيادة اليوم لا تقف عند الحدود، بل تمتد إلى كل ما يبقي الاقتصاد و المجتمع قادرين على الحركة حين يضطرب العالم.

و الأمر نفسه ينطبق على الصناعة، فالدولة التي تستورد كل قدرةٍ حيوية قد تملك المال، لكنها لا تملك دائماً الزمن، و في الأزمات يصبح الزمن مورداً سيادياً، كما تصبح المعرفة كذلك، فالمال يشتري الآلة في لحظتها، لكنه لا يشتري دائماً الإتقان، لأن الإتقان خبرة تراكمية، و معرفة وطنية تستطيع التشغيل، و الصيانة، و التطوير، و إعادة الإنتاج.

لذلك لا يعني توطين الصناعات الاستراتيجية أن نصنع كل شيء بأنفسنا، فهذا غير اقتصادي و غير واقعي، بل أن نعرف ما الذي لا يجوز أن تكون حاجتنا إليه رهينة موردٍ واحد، و ما الذي ينبغي أن نمتلك معرفته، أو جزءاً من سلسلته، أو بديلاً موثوقاً له.

و اليوم لم تعد المقابض موانئ و مصانع فقط، فقد يكون المقبض برنامجاً لا تملك تحديثه، أو سحابةً لا تتحكم في شروطها، أو شريحةً لا يوجد لها بديل، أو معرفةً فنية تنتهي عند باب الشركة التي باعتك المنتج، و لهذا فإن السيادة التقنية ليست عزلةً عن العالم، بل ألّا يتحول اتصالك بالعالم إلى مفتاح يستطيع غيرك إغلاقه.

و لهذا المعنى أصلٌ في تجربتنا التاريخية، ففي عام الرمادة، حين اشتد القحط، لم ينتظر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يأتي الفرج من جهة واحدة، بل استمد العون من أمراء الأمصار، و حرّك الإمداد من الجهات المتاحة، فالتحوّط لم يكن خوفاً، بل مسؤولية، و تعدد موارد النجدة لم يكن ترفاً، بل إدارةً للأزمة.

و حتى الشراكات الدولية تصبح أكثر قوة عندما تتعدد، لأن الشريك الذي يعرف أنك لا تملك غيره يفاوضك بطريقة، و الشريك الذي يعرف أنك اخترته من بين بدائل يفاوضك بطريقة أخرى، و الفارق بين الحالتين ليس في المجاملة الدبلوماسية، بل في توزيع القوة داخل غرفة التفاوض.

اقرأ أيضا: الهيئة العامة للأوقاف توفر وظائف شاغرة

لهذا لا ينبغي فهم انفتاح السعودية على قوى و أسواق و مراكز اقتصادية متعددة باعتباره تردداً في الاتجاه، بل وضوحاً شديداً فيه، الاتجاه هو المصلحة السعودية، أما الطرق المؤدية إليها فلا ضرورة لأن تكون طريقاً واحداً، فالعلاقة مع الشرق لا تستوجب خصومةً مع الغرب، و الشراكة مع الغرب لا تستوجب إغلاق أبواب الشرق، و الدولة الواثقة لا تجعل صداقاتها أقفاصاً، بل تجعلها جسوراً.

و هنا تظهر العلاقة العميقة بين التنويع الاقتصادي و استقلال القرار، فرؤية السعودية 2030 لا تعيد تركيب الاقتصاد فقط، بل توسّع قاعدة الخيارات التي يقف عليها القرار الوطني، فكل قطاع جديد، و كل صناعة محلية، و كل استثمار نوعي، و كل منفذ لوجستي، و كل معرفة يتم توطينها، لا تضيف رقماً إلى الناتج المحلي وحسب، بل تنتزع مقبضاً محتملاً من يد الخارج.

الدولة الذكية لا تنتظر حتى يبدأ الضغط كي تبحث عن البديل، لأن البديل الذي يُصنع تحت الضغط يكون غالباً أغلى، و أبطأ، و أقل جودة، بل تفتح المنفذ الثاني و الأول ما يزال مفتوحاً، و تبني القدرة قبل أن تحتاج إليها، و توزّع مصالحها قبل أن يحاول أحد تجميعها في يده.

و يختصر المعنى قولٌ مأثور: «اعقلها و توكل»، فالثقة لا تلغي الأخذ بالأسباب، و العلاقة الوثيقة لا تلغي البديل، و الاطمئنان إلى الطريق لا يعفيك من معرفة الطريق الآخر.

و لذلك فإن فائض الخيارات ليس ترفاً في السياسة، بل أحد أشكال القوة، فمن يملك بديلاً لا يُحاصر بسهولة، و من يملك قدرته لا تُفرض عليه الشروط بالطريقة نفسها، و من يستطيع اختيار شركائه لا يستطيع شركاؤه اختيار موقفه نيابةً عنه.

هذه هي المعادلة التي تتشكل أمامنا، السعودية لا تبني اقتصاداً أكبر فقط، بل تبني قراراً أصعب على الابتزاز.

القوة ليست أن تمنع الآخرين من مدّ أيديهم نحو قرارك .. بل أن يبحثوا طويلاً عن المقبض .. و لا يجدوه.

اقرأ أيضا: القبض على لتهريبه 96 كيلو جراما من القات بعسير

‫0 تعليق

اترك تعليقاً