ليلى الجابر
لم يعد دوري روشن السعودي ذلك الدوري الذي يمكن قراءة ملامحه من الأسماء وحدها ولا البطولة التي تكفي فيها جودة العناصر لحسم المباريات مبكراً.
اقرأ أيضا: مرضى الانسداد الرئوي المزمن.. النظام الغذائي قد يلعب دورًا في حماية الرئة
الموسم الجديد بدأ برسالة واضحة ( المنافسة ستكون أقسى، والمساحات أضيق، والفرق أكثر جرأة، والفوز لن يُمنح لمن يملك النجوم فقط، بل لمن يعرف كيف يصنع منهم فريقاً).
وهنا تحديداً تبدأ حكاية النصر
فوسط سباق تبدو ملامحه مثيرة منذ جولاته الأولى يظهر النصر بصورة مختلفة ليس لأنه يفوز فحسب وليس لأنه يسجل كثيراً بل لأن هناك شيئًا آخر يمكن رؤيته في الملعب قبل أن تخبرنا به الأرقام
هناك روح جديدة
أربع مباريات .. أربعة انتصارات .. و14 هدف
رقم هجومي كبير لكنه بالنسبة لي ليس أهم ما حدث فالأهم هو كيف فاز النصر؟
مع المدرب الجديد بدأت ملامح فريق أكثر شراسة في الهجوم وأسرع في التحول وأكثر رغبة في الذهاب نحو مرمى الخصم
مدرب دخل إلى فريق بطل لكنه لم يتعامل معه وكأن مهمته المحافظة على ما تحقق فقط بل بدأ مبكراً بمحاولة صناعة نسخة أكثر جرأة وشرايه
في السابق كان النصر يملك الأسماء لكنه في بعض المباريات كان يبحث عن نفسه داخل الملعب ولكن اليوم تبدو الصورة مختلفة .. فاللاعب الذي يبدأ أساسياً يقاتل والبديل يدخل وكأنه بدأ المباراة والأهداف لا تأتي من قدم واحدة والحلول لم تعد مرتبطة بنجم واحد .. وهذه تحديدًا إحدى أهم علامات الفريق الذي يريد بطولة طويلة النفس
ولكن مباراة الاتفاق قالت شيئًا أكبر من كل الأرقام
أن تلعب بعشرة لاعبين منذ الدقيقة 13 وأن تدخل الاستراحة متأخراً بهدفين فكل الظروف هنا تقول إن المباراة ذاهبة إلى خسارة أولى ولكن النصر يأبى ويعود
النصر عاد بهدف ثم آخر ثم قاتل حتى الدقيقة الأخيرة وانتزع الثالث بروح العزم والقوة والثبات
هذه ليست مجرد ريمونتادا.
هذه مباراة يمكن أن نعود إليها في نهاية الموسم ونقول ( هنا عرفنا شخصية هذا النصر )
البطولات لا تُحسم دائماً في الليالي التي تكون فيها الأفضل بل كثيراً ما تُحسم في الليالي التي تسير فيها كل الظروف ضدك ثم ترفض أن تخسر .. وهذا ما فعله النصر.
والأجمل أن هذا النصر لم يعد يدخل الملعب وهو ينتظر من كريستيانو رونالدو أن ينقذه في كل مرة.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة
كريستيانو ما زال كريستيانو حضوره، أهدافه، قيادته، غضبه من الخسارة وشغفه الذي لا يبدو أنه يعترف بالعمر .. كلها عناصر تمنح النصر قيمة لا تقاس بالأرقام وحدها.
ولكن ما أراه بشكل إيجابي وأفضل ما يحدث لرونالدو هذا الموسم أن الفريق من حوله أصبح أكثر قدرة على حمل المسؤولية معه
لم يعد المشهد أين كريستيانو؟
بل أصبح من سيضرب هذه المرة؟
وهذا السؤال وحده كفيل بإرباك أي خصم
لأنك إن أغلقت الطريق أمام رونالدو سيظهر ماني وإن راقبت كومان ستجد لاعباً قادم من الخلف وإن ظننت أنك سيطرت على مفاتيح النصر يظهر لك اسم أصبح منذ بداية الموسم أكثر من مجرد لاعب داخل التشكيلة
جواو فيليكس
أعتقد أن الحكاية الحقيقية لجواو هذا الموسم لا تبدأ من عدد أهدافه ولا من تمريراته ولا حتى من مهارته التي لم تكن يوماً موضع شك.
فحكايته تبدأ من شيء آخر .. جواو يلعب وكأنه وجد مكانه أخيراً داخل هذا الكيان
وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث مع لاعب موهوب لسنوات كان السؤال حوله لماذا لا نرى كل ما يملكه ؟
أما اليوم فالسؤال تغيّر وأصبح كيف توقفه ؟
في النصر لا يبدو جواو لاعب يبحث عن نفسه بل لاعب يعرف ماذا يريد من الكرة عندما تصل إليه لا يستعرض موهبته بل يستخدمها لا ينتظر المباراة لتأتي إليه بل يدخل في تفاصيلها ويتحرك بين الخطوط .. يصنع المساحة .. يربط اللعب ويخلق الفرصة ثم يظهر أمام المرمى وكأنه كان يعرف قبل الجميع أين ستذهب الكرة.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة جواو فيليكس
النصر كان يملك النجوم من قبل لكنه كان يحتاج إلى لاعب يمنح الهجوم فكرة وجواو يفعل ذلك وجوده لم يعطي اسماً كبيرًا إلى قائمة النجوم فقط بل غيّر شكل العلاقة بينهم فأصبح رونالدو أكثر تحرراً وأصبحت التحركات حول منطقة الجزاء أكثر تنوعاً وأصبح الخصم أمام معضلة حقيقية من يراقب؟
واللافت في جواو أنه لا يلعب هذا الموسم وكأنه جاء ليكون مساعدًا لكريستيانو .. ولا يبدو كريستيانو أيضًا وكأنه يريد من الجميع أن يكونوا مجرد مساعدين له .. وهذه نقطة مهمة جدًا في النصر الجديد
(هناك نجوم ولكن لا أحد أكبر من فكرة الفريق)
ولهذا ربما كان مشهد مباراة الاتفاق هو الاختبار الحقيقي حين نقص العدد وتأخر النصر بهدفين كان من السهل أن تختفي المهارة خلف ضغط المباراة ولكن هنا ظهر جواو بصورة مختلفة
لم يبحث عن لقطة فردية تحفظ له حضوره بل دخل في قلب العودة وهنا يصبح اللاعب أكثر من موهبة يصبح شخصية قوية مُلفته للجميع
لهذا يبدو جواو حتى الآن أحد أبرز وجوه الدوري وليس النصر فقط .. ليس لأنه الأكثر ضجيجاً بل لأنه من أكثر اللاعبين تأثيراً في شكل فريقه
فهناك فرق بين لاعب يسجل كثير ولاعب يجعل الفريق كله يبدو أفضل عندما يكون موجود
جواو يفعل الاثنين
اقرأ أيضا: الأرصاد يرفع التنبيه إلى الإنذار الأحمر في جبال جازان.. أمطار غزيرة وسيول
وهذا ما يجعل نسخة النصر الحالية مثيرة
كريستيانو يمنح الفريق عقلية الانتصار
جواو يمنحه الخيال
ماني يمنحه القوة والخبرة
والمدرب يحاول أن يجمع كل ذلك داخل منظومة لا تعتمد على فرد
لكن تبقى القطعة الأهم التي لا تُشترى في سوق الانتقالات
الروح
تلك الروح التي جعلت عشرة لاعبين يرفضون الاستسلام أمام الاتفاق .. الروح التي تجعل البديل يدخل وكأنه صاحب المكان .. الروح التي جعلت أربعة انتصارات لا تبدو متشابهة رغم أن نهايتها واحدة
ولهذا فإن الحديث عن 14 هدفًا وحدها يظلم ما يحدث في النصر فالأهداف نتيجة .. أما التحول الحقيقي فهو أن الفريق بدأ يؤمن بأنه قادر على الفوز بأكثر من طريقة وهذه هي الصفة التي تسبق البطولات عادةً
الموسم لا يزال طويلًا والمنافسة لن تنتظر أحداً ومن المبكر جدًا أن نمنح اللقب لفريق بعد أربع مباريات ولكن البدايات لا تمنح البطولات .. نعم
إلا أنها تكشف النوايا
ونوايا النصر هذا الموسم تبدو واضحة .. فريق لا يريد فقط أن يفوز عندما يكون أفضل بل يريد أن يفوز عندما يتأخر وعندما ينقص ..
فريق يريد الفوز عندما تتعقد المباراة وعندما يعتقد الخصم أن الطريق أصبح مفتوحاً لإسقاطه ربما يخسر النصر غداً فهذه كرة القدم وربما يمر بفترات صعبة فهذا موسم طويل ولكن ما يمكن قوله اليوم بثقة هو أن هناك شيئًا تغير.
(النصر لم يعد مجموعة نجوم تبحث عن بطولة)
النصر بدأ يتحول إلى فريق يعرف لماذا يريدها
وبين كريستيانو الذي لا يشبع من الانتصارات وجواو الذي يبدو وكأنه استعاد أجمل نسخة من موهبته ومدرب منح الفريق جرأة مختلفة ومجموعة تقاتل حتى وهي بعشرة لاعبين تبدو الرسالة الأولى للموسم واضحة
14 هدفاً أخبرت الجميع أن النصر قوي النصر لم يبدأ الموسم منتصراً فقط بل بدأه بعقلية فريق يعرف جيداً ماذا يريد
وفي ليلة الاتفاق أجاب النصر
بعشرة لاعبين وبعد تأخر بهدفين وفي أصعب سيناريو ممكن
نحن لا ننتظر أن تمنحنا المباراة طريقًا للفوز بل نحن نصنعه ونسجله للتاريخ
@LailaAljabir
اقرأ أيضا: «التعليم» و«الإعلام» تطلقان منصة التسجيل في «مدرسة الموهوبين الإعلامية»
