بطولات «اللايكات ❤️»!

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

أحمد الفهيد

(١)
ثمة شيء مضحك، ومؤسف في الوقت ذاته، يحدث في كرة القدم، حين تعجز أندية سعودية عن الحديث عن البطولات، فتبدأ في التحدث عن «اللايكات – الإعجابات» .. وحين لا تجد في خزائنها ما يكفي من الذهب لتحتفي به، تفتش في شاشات الهواتف عن أرقام أخرى (مليون إعجاب، عشرة ملايين مشاهدة، مئات الآلاف من إعادة النشر، ومؤشرات تفاعل صاعدة).

اقرأ أيضا: الهلال يتفق على الشروط الشخصية مع المهاجم واتكينز

(٢)
.. وهكذا، شيئًا فشيئًا، انتقل بعضهم من الاحتفال بكأسٍ رُفع «فوق منصة التتويج»، إلى الاحتفال بمنشور تصدّر قائمة التفاعل في «منصات التواصل الاجتماعي» .. كأن النادي لم يعد يريد أن يكون الأكثر فوزًا، وإنما الأكثر ظهورًا.
وهنا ينبغي أن نتوقف لوقت طويل، ربما لنشرح بدقة أن «اللايك» ليس بطولة!
قد يكون دليلًا على شعبية، أو نجاح تسويقي، أو قدرة على صناعة المحتوى، أو قوة في إدارة المنصات الرقمية، وكل ذلك مهم في كرة القدم الحديثة، ولا أحد ينكر قيمته، لكن المشكلة تبدأ حين تختلط المقاييس.

(٣)
«اللايك» لا يهزم خصمًا، ولا يحسم نهائيًا، ولا يرفع كأسًا، ولا يكتب اسم لاعب في سجل الأبطال.
«اللايك» يحتاج ثانية واحدة، أما البطولة فتحتاج موسمًا كاملًا من العمل، وضغطًا، وإصابات، وسفرًا، وخسارات، وعودة، وانضباطًا، وشخصية تعرف كيف تقف حين يسقط الآخرون.
الأمر سهل، بسيط، واضح: التفاعل يقيس ما حدث على الشاشة، والبطولة تقيس ما حدث في الملعب .. وهذا فرق هائل، هائل جدًا، لكن لا يفهم معناه إلا الذين أدمنوا الفوز والفرح.

(٤)
علم النفس يعرف جيدًا أن الإنسان يميل إلى البحث عن المؤشرات السريعة التي تمنحه شعورًا بالنجاح، لأن الأرقام الفورية تمنح مكافأة فورية، ولهذا أصبحت منصات التواصل بيئة مثالية لإشباع الحاجة إلى الاعتراف والقبول الاجتماعي .. وفي الرياضة تحديدًا، تُستخدم الإعجابات والمشاركات أصلًا كمؤشرات على تفاعل الجماهير مع النادي ومحتواه.
لكن الرياضة العظيمة قامت تاريخيًا على شيء أكثر صعوبة من الحصول على التصفيق، هو: أن تستحقه.

(٥)
الأولمبياد نفسها، وهي أقدم المؤسسات الرياضية وأكثرها رسوخًا في العالم، تختصر جوهر الرياضة في ثلاث قيم (التميّز، والاحترام، والصداقة)، والتميّز هنا ليس أعداد من ضغطوا زر الإعجاب، وإنما السعي إلى أفضل أداء ممكن.
لهذا تبدو بعض الاحتفالات الرقمية غريبة، حين تصبح أرقام المنصات بديلًا عن أرقام البطولات.
ما الذي يستحق أن يتباهى به النادي؟!.. أن يكون صاحب الرقم الأعلى في إعادة النشر؟.. أم أن يكون صاحب الرقم الأعلى في عدد مرات الوقوف على منصة التتويج؟!
أن يقال عنه إن منشوره حصد 5 ملايين إعجاب؟.
أم أن يقال إن اسمه حُفر 5 مرات في سجل البطولة؟!.
الأول يُنسى عندما تتغير خوارزميات المنصة.
أما الثاني يبقى حتى بعد أن تُمحى المنصة نفسها من الوجود.

اقرأ أيضا: عائلة جليزر تدخل سباق الاستحواذ على الاتحاد

(٦)
مواقع التواصل الاجتماعي تصنع ضجيج اللحظة، والبطولات تصنع ذاكرة الزمن.
قد ينتشر مقطع لنادٍ في ليلة واحدة أكثر مما تنتشر أخبار بطولة حققها نادٍ آخر، لكن حجم الضجيج لا يعيد كتابة التاريخ، والأرقام الرقمية، مهما تضخمت، لا تستطيع أن تفعل ما يفعله كأس واحد.
الكأس دليل على أنك أنجزت، و«اللايك» دليل على أن الناس انتبهت .. وبين الإنجاز والانتباه مسافة طويلة جدًا، جدًا، لا يمكن أن تختصرها «الخوارزميات».

(٧)
لست ضد أن يفرح النادي بجمهوره، ولا ضد أن يحتفي بنجاحه الرقمي. على العكس، الحضور الجماهيري والتفاعل الرقمي أصول حقيقية في اقتصاد الرياضة الحديثة، والدراسات الرياضية تؤكد أهمية وسائل التواصل في بناء العلاقة بين الأندية وجماهيرها وزيادة التفاعل معها، لكنني ضد أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها الرقم الذي تحت المنشور أهم من الرقم الذي بجانب اسم البطولة.
وضد أن تتحول إدارة النادي من صناعة فريق ينتصر في الملعب إلى صناعة محتوى ينتصر في دوري «الخوارزميات».
وضد أن تصبح المنافسة بين الأندية «من الأكثر بطولات؟»، ثم تتراجع إلى: «من الأكثر جماهيرية؟»، ثم يذهب بها الأمر لتصبح «من الأكثر متابعين؟»، ثم ينتهي بها الحال إلى «من الأكثر لايكات؟!» .. حتى نستيقظ يومًا، ونكتشف أننا نناقش كرة القدم كلها بالأرقام التي لا تُلعب كرة القدم من أجلها.

(٨)
هناك أندية تبني تاريخها فوق منصات الملاعب، وهناك أندية تبني حضورها في منصات مواقع التواصل الاجتماعي .. والأذكى منها هو من يفعل الأمرين معًا، دون أن يخلط بينهما.
فالجمهور مهم، والعلامة التجارية مهمة، والتفاعل مهم، والتسويق مهم، لكن كل هذه الأشياء، في النادي الرياضي العظيم، تخدم البطولة ولا تحل محلها.
لأن النادي الذي يملك تاريخًا حقيقيًا لا يحتاج أن يقنعك بأنه كبير من خلال عدد «اللايكات» .. يكفيه أن يفتح خزائنه، هناك لا توجد خوارزميات، هناك يوجد كؤوس فقط، والكأس لا يحتاج إلى «لايك».

اقرأ أيضا: أرامكو روان للحفر تطرح 20 وظيفة شاغرة

‫0 تعليق

اترك تعليقاً