لكل زمان رجاله، ولكل عصر أدواته. وما كان كافيًا بالأمس، قد لا يكون كافيًا اليوم.
يقول سقراط: “تكلم حتى أراك”، لأن من وجهة نظره الشخصية الإنسان في كلامه يكشف شيئًا من فكره، ومنطقه، ووعيه، وطريقة نظره إلى الحياة.
كان الكلام آنذاك نافذة يمكن من خلالها أن نقرأ الإنسان.
اقرأ أيضا: تسريب البيانات الإلكترونية.. خطوات بسيطة لحماية حساباتك
أما اليوم، فأنا أقول: “إفعل حتى أراك”.
في زمن أنفجرت فيه المعلومات، وظهر الذكاء الإصطناعي، وأصبح الوصول إلى المعرفة أسرع وأسهل من أي وقت مضى، لم يعد الكلام دليلًا كافيًا على شيء!
فالجميع يستطيع أن يتحدث، والجميع يستطيع أن يكتب، والجميع يستطيع أن يبدو مثقفًا وواعيًا ومثاليًا.
الجميع يستطيع أن يصنع لنفسه صورةً كاملة من الشعارات والعبارات الرنانة.
أصبح بإمكان الإنسان أن يتحدث في غير تخصصه، ويُفتي في غير مجاله، ويُبدي رأيه في كل شيء، بل إن البعض تجاوز ذلك إلى تقديم وصفات دوائية وعلاجية وكأنه قضى عمره في دراسة الطب.
ولهذا لم يعد السؤال عندي: ماذا تقول؟
بل أصبح السؤال: ماذا تفعل؟
وكما يقول أهل مكة: “أتكلم، فالكلام ببلاش، وأبو بلاش كتِّر منه”.
نعم، الكلام ببلاش.
وأقسم بالله، لو كان الكلام بمال، لما نطق كثير من الناس إلا بما يستحق أن يُقال.
فمن وجهة نظري الشخصية الإنسان يُرى في أفعاله أكثر مما يُرى في أقواله.
يمكنك أن تكتب عن الأخلاق، لكنني أريد أن أرى أخلاقك حين تُستفز.
يمكنك أن تتحدث عن الوفاء، لكنني أريد أن أراك حين تتغير الظروف.
يمكنكي أن تقولي: “أنا أدعم المرأة”، لكنني أريد أن أراكي حين تأتيك إمرأة تحتاج إلى دعمك فعلًا، حين يكون دعمها بلا مكسب لك، ولا جمهور، ولا تصفيق.
هل تفتحين لها بابًا؟
هل تقفين معها؟
هل تمنحينها فرصة؟
هل تمدين لها يدك حين لا يراك أحد؟
أم أن دعم المرأة عندك مجرد شعار جميل يُقال أمام الناس؟
دعم المرأة لا يُقاس بعدد المرات التي قلتي فيها: “أنا أدعم المرأة”، بل بعدد المرات التي وقفتي فيها فعلًا إلى جانب إمرأة حين كانت تحتاجك.
الكثيرون يجيدون الحديث عن الإنضباط، والقليلون يلتزمون حين لا يراقبهم أحد.
والكثيرون يتحدثون عن المبادئ، والقليلون يدفعون ثمن التمسك بها.
وهنا يتبين الفرق بين من يُثرثر ومن يطبِّق، وبين من يتحدث عن الحياة ومن يعيش ما يقوله.
نعيش في زمن يستطيع فيه الذكاء الإصطناعي أن يمنحك نصًا متقنًا في ثواني، وأن يصوغ لك خطابًا بليغًا، وأن يرتب أفكارك، وأن يجعلك تبدو أكثر ثقافة مما أنت عليه.
اقرأ أيضا: ضبط أكثر من 14 ألف مخالف خلال أسبوع
لكنه لا يستطيع أن يعيش حياتك نيابةً عنك.
هو يستطيع أن يساعدك على الكلام، لكنه لا يستطيع أن يفعل عنك.
وهنا تظهر قيمة الفعل.
الفعل الحقيقي يحدث غالبًا في المساحات التي لا يراك فيها أحد.
هناك، حين لا توجد كاميرا، ولا جمهور، ولا إعجاب، ولا تصفيق… هناك تظهر حقيقتك.
لذلك، لا تُبهرني بما تعرف، ولا بما تقول، ولا بعدد الكتب التي قرأت، ولا بعدد العبارات التي تحفظها.
ففي النهاية، الأفعال هي السيرة الذاتية الحقيقية للإنسان.
ولهذا، إذا كانت حكمة سقراط تقول: “تكلَّم حتى أراك”، فإن حكمة هذا العصر عندي تقول:
“إفعل حتى أراك” فالعالم ممتلئ بمن يتحدثون عن الأشياء، لكنه يندر بمن يطبقونها.
اقرأ أيضا: حسان تمبكتي يقترب من العودة
