أحمد العرفج
مِنْ أغرب “البروتوكولات” اللفظية التي درجتْ على ألسنة مجتمعاتنا المحلية، أن يتحدث إليك أحدهم في موضوعٍ عادي جداً، فيقول:
(أنا -وأعوذ بالله من كلمة أنا- فعلتُ كذا وكذا!).
تأملتُ كثيراً في هذه الجملة الاعتراضية الطويلة، فتعجبتُ من هذا الرعب الفظيع من ضمير المتكلم!
فكأن “أنا” ذئبٌ بشري، أو خطيئةٌ دينية يحتاج صاحبها إلى “صك غفران” فوري بمجرد النطق بها، مع أن هذا التعوذ لا أصل له في الوحيين، حيث كان النبي ﷺ والصحابة يقولون “أنا” في مواضع كثيرة بكل عفوية وبساطة دون الحاجة إلى الجملة الاعتراضية التي تقول : ” أعوذ بالله من كلمة أنا”.!
اقرأ أيضا: ديوان المظالم يتيح لطلبة الجامعات التدريب التعاوني عبر منصة خبير الرقمية
وإذا فتشنا في دفاتر التاريخ عن جذور هذه العبارة، سنجد أن أول من أُثر عنه أنه قالها هو الصحابي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، كما ورد في أمّهات كتب الأدب والتاريخ مثل “العقد الفريد” لابن عبد ربه ؛و”بهجة المجالس” لابن عبد البر؛ حيث كان معاوية يقولها في خطبه كنوع من “التواضع السياسي” وتجنباً للغة الفخر والتعاظم أمام الرعية، ثم طار بها العوام في كل حدب وصوب حتى تحولت من سياقها التاريخي إلى معتقد عام!
وقد انقسمت أنظار العلماء والفقهاء في تقييم هذه العبارة الدارجة إلى اتجاهين رئيسيين:
الاتجاه الأول (الكراهة والتكلف):
يرى كبار العلماء أن هذه العبارة مكروهة ومن التنطع والبدع اللفظية التي لا مستند شرعي لها، فالاستعاذة إنما تكون من الآفات النفسية كالكبر والعُجب، وليس من الضمائر اللغوية الطبيعية، وقد ثبت في صحيح البخاري أن جابراً دقّ باب النبي ﷺ فقال: (مَن هذا؟) فقال جابر:
(أنا)، فخرج النبي وهو يقول: (أنا.. أنا!) كأنه كرهها؛ لأنها لا تُعرّف بالطارق، لا لأن اللفظ محرم بذاته.!
ولله در الإمام التابعي الحكيم الحسن البصري حين فكك زيف المبالغة في التواضع والتصنع اللفظي الذي يخفي خلفه رغبة مستترة في حصد الثناء، حيث أصاب كبد الحقيقة بمقولته الخالدة التي تجري مجرى الأمثال في التراث العربي حين قال:
«ذَمُّ الرَّجُلِ نَفْسَهُ فِي العَلَانِيَّةِ، مَدْحٌ لَهَا فِي السِّرِّ».
فالذي يستعيذ من ضميره اللغوي علناً متصنعاً الخشوع، إنما يريد في باطنه أن يلتفت الناس إليه قائلين: “يا سلام.. انظروا إلى شدة ورعه وتواضعه”! وهذا هو عين “الإيجو” المبطن الذي يحارب التواضع الحقيقي والعفوية البسيطة
اقرأ أيضا: المطلق: لا يشترط الطهارة لأداء الرقية الشرعية .. فيديو
الاتجاه الثاني (الإباحة بشرطها):
يرى قطاع آخر من أهل العلم أنه لا حرج فيها إذا كان مقصد القائل هو محاربة غرور النفس والبعد عن التعاظم، بشرط ألا يعتقد الشخص أن هذه العبارة “سُنّة نبوية” تعبدية يُثاب على قولها.
حسنا ؛ ماذا بقي؟
بقي القول إن “الأنا” المذمومة هي مرض قلبي يتضخم بالتعالي والغطرسة، وليست مجرد لفظ لغوي يستوجب الخوف والاستعاذة، حتى وإن قالها معاوية في سياق خطابي قديم.
والخلاصة:
تحدّث بعفوية وثقة وتخلّص من عُقد التكلّف اللفظي، فالله لم يذم الضمائر والنحو، بل ذمّ القلوب المريضة بالكبر!
اقرأ أيضا: أخصائية تحذر: رجيم الفواكه يحقق نزولًا في العضلات وليس الدهون .. فيديو
