“Grieftech” أو “تكنولوجيا الحداد” تعيد الراحلين رقمياً.. ولكن بأيّ ثمن؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

ماذا لو لم يعد الموت يعني غياب الشخص بالكامل، بل ترك وراءه نسخة رقمية يمكن التحدث إليها والاستماع إلى صوتها والتفاعل معها؟ مع تطور الذكاء الاصطناعي، بدأت “تكنولوجيا الحداد” تفتح الباب أمام إعادة إنشاء الأشخاص الراحلين رقمياً، انطلاقاً من صورهم وتسجيلاتهم وذكرياتهم. لكن هذه التكنولوجيا التي تعد بمنح العائلات وسيلة جديدة للاحتفاظ بأحبائها، تطرح في المقابل أسئلة نفسية وأخلاقية عميقة: هل تساعدنا على مواجهة الفقد، أم تؤخر تقبّل حقيقة الموت؟ وماذا يحدث عندما تبدأ النسخة الرقمية باختلاق ذكريات وعبارات لم يقلها الشخص الراحل أصلاً؟

اقرأ أيضا: وغدًا يقولون ماتت أماني، وفاة طالبة تمريض بالمنيا بعد أيام من منشورها المؤثر

 

 منصة تحوّل مقاطع الفيديو إلى محادثات تفاعلية (الصوة من forbesafrica)

 

هل يمكن أن يعود الموتى إلى حياتنا الرقمية؟

أجرى محرر قسم العلوم والتكنولوجيا في صحيفة ديلي ميل ويليام هانتر تجربة لافتة، إذ أنشأ نسخة رقمية منه بالذكاء الاصطناعي، تحسباً لوفاته، لتكون وسيلة تذكّر لعائلته به بعد رحيله.

لكن النتيجة لم تكن كما توقع. فعندما وضع هانتر نسخته الرقمية في مجموعة العائلة، لم يتقبلها والداه وإخوته، بل شعروا بالنفور منها.

وصفت والدته النسخة بأنها مخيفة، وانتقدت حركاتها المتقطعة وطريقة حديثها، مشيرة إلى أنها لا تتحدث بالطريقة نفسها التي يتحدث بها ابنها ولا تحمل نبرة صوته المعتادة.

أما شريكة هانتر، فوصفَت النسخة بأنها غير طبيعية، معتبرة أن حس الفكاهة لديها يبدو مصطنعاً وواضحاً أنه ناتج من الذكاء الاصطناعي.

ولم تتوقف المشكلة عند الشكل والصوت. فقد لاحظ هانتر أن نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي قد تختلق معلومات عندما لا تجد إجابة دقيقة، وهو ما يُعرف بالهلوسة. وفي تجربته، بدأت النسخة الرقمية بإطلاق معلومات غريبة وغير صحيحة عن حياته.

هذه المعلومات المختلقة قد تكون مزعجة في الظروف العادية، لكنها تصبح أكثر إشكالية عندما يُفترض أن تكون النسخة الرقمية وسيلة لمواساة شخص يعيش الحزن على فقدان قريب.

من تجربة شخصية إلى صناعة جديدة

رغم هذه المخاوف، بدأت تكنولوجيا الحداد أو GriefTech تتحول إلى قطاع تجاري جديد، يقوم على استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء نسخ رقمية من الأشخاص المتوفين، يمكن التفاعل معها عبر المحادثة أو الصوت أو الصور أو حتى الواقع الافتراضي.

وفي عام 2017، توفي والد البريطاني جيمس، لكن جيمس كان قد سجّل الكثير من الأحاديث والقصص التي تخص والده. استخدم هذه المواد لإنشاء روبوت محادثة يعمل بالذكاء الاصطناعي، قادر على الإجابة عن أسئلة حول حياة والده وبصوته.

وفي عام 2019، حوّل جيمس الفكرة إلى تطبيق وشركة باسم HereAfterAI، تتيح للمستخدمين إنشاء تجارب رقمية مشابهة لأحبائهم.

ويقول جيمس إن هذه التقنية لم تلغِ ألم فقدان والده، لكنها منحته شيئاً لم يكن ليحصل عليه لولاها: وسيلة تفاعلية للاحتفاظ بذكريات والده وقصصه، بدل أن تبقى هذه الذكريات عرضة للتلاشي مع مرور الوقت.

وهكذا، لم تعد الفكرة مجرد تجربة فردية، بل بدأت تتحول إلى صناعة تستثمر في العلاقة بين التكنولوجيا والحزن والذاكرة.

كوريا الجنوبية.. عندما يصبح الحداد افتراضياً

في كوريا الجنوبية، وصلت هذه التكنولوجيا إلى مستوى أكثر تطوراً، مع استخدام الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي لإنشاء تجارب تتيح لأفراد العائلة اللقاء بأحبائهم الراحلين.

ومن أكثر الحالات تأثيراً قصة جانغ جي سونغ، التي فقدت ابنتها نا-يون. وفي تجربة، ظهرت الأم أمام نسخة افتراضية من ابنتها، وتمكنت من التحدث معها ومحاولة لمس وجهها.

قالت النسخة الافتراضية للأم: “لا تبكي يا أمي”، في لحظة بدت واقعية ومؤثرة، لكن يدي الأم مرتا عبر الصورة، لتتذكر أن اللقاء ليس حقيقياً.

هذه التجارب تثير انقساماً بين المتخصصين. فبعض المستشارين يرون أنها قد تساعد بعض الأشخاص في التعامل مع الحزن، خصوصاً إذا استُخدمت باعتدال، بينما يحذر آخرون من آثارها النفسية ومن إمكانية جعل عملية تقبل الموت أكثر تعقيداً.

اقرأ أيضا: برشلونة يعمل على تسجيل ألفاريز في يناير

وتعتقد شركة DeepBrain AI الكورية الجنوبية أن هذه التقنيات يمكن أن تساهم في تطوير ما تسميه “well dying culture”، من خلال تشجيع الأشخاص على الاستعداد للموت مسبقاً، وتسجيل قصصهم وذكرياتهم وتاريخ عائلاتهم لتبقى بمثابة إرث رقمي للأجيال المقبلة.

 

هل يساعد هذا في تجاوز الحزن أم يعيقه؟

لطالما تناول الخيال العلمي فكرة إعادة الموتى إلى الحياة من خلال صورهم أو أصواتهم أو نسخهم الرقمية. لكن التطور السريع في الذكاء الاصطناعي جعل هذه الفكرة أقرب إلى الواقع.

المشكلة الأساسية في هذه التكنولوجيا أن النسخة الرقمية لا تملك وسيلة حقيقية للتحقق من نفسها.

الشخص الذي نعرفه في الحياة يتغير باستمرار، ويمكنه أن يصحح لنا ذكرياتنا عنه، أو يخبرنا بما كان يفكر فيه، أو يرفض ما ننسبه إليه. أما الشخص المتوفى، فلم يعد موجوداً ليفعل ذلك.

لذلك، فإن الصورة الرقمية التي ينتجها الذكاء الاصطناعي ليست الشخص نفسه، بل هي تفسير آلي له مبني على البيانات التي تركها وراءه.

ومع مرور الوقت، يمكن حتى تعديل هذه النسخة لتتناسب مع ما يحتاج إليه أفراد العائلة أو ما يريدون سماعه. وهنا تظهر المفارقة: الموت نهائي، لكن النسخة الرقمية ليست كذلك.

يمكن أن تتغير وتُحدّث وتُعاد برمجتها، إلى أن تصبح تدريجياً أقل شبهاً بالشخص الذي كانت يُفترض أن تمثله.

وقد تتحول في النهاية إلى نسخة مثالية أو متخيلة من الراحل، أسطورة رقمية في أفضل الأحوال، أو صورة بديلة تحل محل الإنسان الحقيقي في أسوئها.

ومع ازدياد تطور هذه التقنيات، ستصبح الأسئلة أكثر إلحاحاً: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي لحفظ الذكريات، أم أننا نسمح له بإعادة تشكيلها؟ وهل يساعدنا على مواجهة حقيقة الموت، أم يمنحنا طريقة جديدة لتأجيل تقبّلها؟

اقرأ أيضا: «الاتصالات» تطلق منظومة الهوية الرقمية والتحقق البيومتري إلكترونيًا

‫0 تعليق

اترك تعليقاً