iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}
لم تعد أزمة الدين الأميركي مجرد رقم ضخم يتكرر في التقارير الاقتصادية، بل تحولت تدريجياً إلى عامل مؤثر مباشرة في حركة أسواق السندات والأسهم والعملات والذهب. فمع تجاوز الدين العام الأميركي مستوى 40 تريليون دولار، وارتفاع تكلفة خدمته إلى أكثر من تريليون دولار سنوياً، باتت أسعار الفائدة المرتفعة تشكل عبئاً متزايداً على المالية العامة، في وقت تراقب الأسواق عن كثب قدرة واشنطن على إدارة هذا الحجم الهائل من الالتزامات.
اقرأ أيضا: إعدام مواطن أجنبي في إيران لإدانته بقتل عناصر أمن خلال احتجاجات يناير
المشكلة لا تكمن في حجم الدين وحده. فكلما بقيت أسعار الفائدة مرتفعة، ازدادت كلفة إصدار ديون جديدة أو إعادة تمويل الديون المستحقة، وهو ما يعني أن جزءاً أكبر من الإنفاق الحكومي يذهب إلى خدمة الدين بدلاً من تمويل قطاعات أخرى. ومن هنا تكتسب حركة عوائد سندات الخزانة أهمية تتجاوز سوق السندات نفسها، لأنها أصبحت مؤشراً إلى الطريقة التي يقوّم بها المستثمرون مخاطر الاقتصاد الأميركي ومستقبل التضخم والسياسة المالية.
سندات الـ30 عاماً تدق جرس الإنذار
خلال الفترة الأخيرة، قفزت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً إلى مستويات مرتفعة جداً، هي الأعلى منذ نحو 19 عاماً وفق المادة المرفقة. وهذه القفزة تعني، عملياً، أن المستثمرين يطالبون بعائد أكبر مقابل إقراض الحكومة الأميركية على المدى الطويل، وأن أسعار السندات نفسها تعرضت لضغوط قوية، إذ تتحرك أسعار السندات وعوائدها عادة في اتجاهين متعاكسين.
ولا تعكس العوائد الطويلة الأجل توقعات أسعار الفائدة فقط. فهي تجمع في داخلها مجموعة واسعة من المخاوف، من مستقبل التضخم وأسعار الطاقة والنمو الاقتصادي، إلى التوترات الجيوسياسية، والأهم قدرة الحكومة الأميركية على إبقاء مسار الدين العام تحت السيطرة. ولذلك، فإن ارتفاع هذه العوائد ليس مجرد حركة تقنية في الأسواق، بل رسالة عن السعر الذي يطلبه المستثمرون لتحمل المخاطر على مدى عقود.
الـ”Buyback“… أداة لتهدئة سوق السندات
في مواجهة الضغوط، برز برنامج إعادة شراء سندات الخزانة (Buyback) كأحد العوامل التي ساهمت في تهدئة السوق. وتشير المادة إلى زيادة المشتريات الشهرية لبعض السندات من نحو ملياري دولار إلى أربعة مليارات دولار على الأقل، ما دعم أسعارها وساهم بالتالي في تراجع العوائد وإعادة شيء من الارتياح إلى المستثمرين.
وهنا تظهر أهمية سوق السندات لبقية الأصول المالية. فعائد سندات الخزانة الأميركية يشكل عملياً أحد أهم الأسعار المرجعية في النظام المالي العالمي. وعندما ترتفع العوائد، تصبح تكلفة الاقتراض أعلى على الشركات والمستهلكين، كما تصبح السندات أكثر منافسة للأسهم. أما عندما تنخفض، فإنها تخفف جانباً من الضغط على التمويل، وقد تجعل تقييمات الأسهم أكثر جاذبية.
لهذا السبب، تزامن انخفاض عوائد السندات مع تحسن في أداء الأسهم. فالشركات، ولا سيما تلك التي تعتمد بدرجة كبيرة على التمويل أو التي تقوم تقييماتها على أرباح متوقعة في المستقبل، تستفيد عادة من انخفاض تكلفة الاقتراض ومعدلات الخصم.

لماذا استفاد الذهب وتعرض الدولار للضغط؟
اقرأ أيضا: مورينيو يكشف مفاجأة بشأن أغلى صفقات ريال مدريد
لم تتوقف التداعيات عند الأسهم. فتراجع العوائد ترافق أيضاً مع ضغوط على الدولار في مقابل عملات رئيسية، بينها اليورو والجنيه الإسترليني، بينما برز الذهب بين أبرز المستفيدين.
والعلاقة مفهومة من زاوية المستثمر: عندما ترتفع العوائد الأميركية، تصبح الأصول المقومة بالدولار أكثر جاذبية نسبياً. أما انخفاضها فيقلل جزءاً من هذه الأفضلية. وبالنسبة إلى الذهب، الذي لا يدر عائداً أو فائدة، فإن انخفاض العوائد يقلل «تكلفة الفرصة البديلة» للاحتفاظ به، ما قد يزيد الطلب عليه، خصوصاً في بيئة تتسم بالقلق حيال التضخم والدين والمخاطر الجيوسياسية.
تهدئة الأسواق لا تحل أزمة الدين
لكن تحسن الأسهم أو تراجع العوائد لا يعني أن أصل المشكلة قد اختفى. فالتحركات التي تهدف إلى تحسين السيولة أو تخفيف اضطرابات سوق السندات تستطيع معالجة الضغوط الآنية، لكنها لا تستطيع بمفردها تغيير المسار الطويل الأمد للدين الأميركي.
وهنا تكمن النقطة الأساسية: مشكلة الـ40 تريليون دولار هيكلية قبل أن تكون مشكلة أسواق مالية. فاستمرار ارتفاع الدين بالتزامن مع تكلفة فائدة مرتفعة يجعل إدارة المالية العامة أكثر تعقيداً، ويزيد حساسية الاقتصاد لأي صدمة في أسعار الفائدة أو التضخم.
لذلك، فإن الحل المستدام يحتاج إلى معالجة أوسع تتعلق بمسار العجز والإنفاق والإيرادات ومعدلات النمو، لا إلى الاعتماد فقط على أدوات توفر ارتياحاً موقتاً للأسواق. وبحسب الخلاصة التي تقدمها المادة، فإن المزيد من السيولة وإعادة الشراء قد يساعدان على احتواء الاضطرابات، لكنهما لا يغنيان عن حلول هيكلية تعالج مشكلة استدامة الدين الأميركي على المدى الطويل.
