iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}
أصبحت عواقب الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضدّإيران، كحرائق الغابات التي تشهدها أوروبا هذا الصيف، لا تتوقف عند حدود، ولا تفرّق بين من أشعل الشرارة ومن وجد نفسه في طريقها، ولا بين من يؤيد هذا الطرف أو ذاك.
اقرأ أيضا: النائب الزبن يهاجم الحكومة تحت القبة ويرفض الآلية الجديدة لتصنيف مدارس البادية
وبينما تنشغل شاشات الأخبار بالتصريحات المتبادلة وتطورات الأوضاع، وتترقب الأسواق العالمية مصير الملاحة في مضيق هرمز، باتت تداعيات الحرب تضرب أفريقيا بهدوء، وتتسلل إلى اقتصادها وحياة مواطنيها.
ففي أفريقيا، كما هي الحال في جميع أنحاء العالم، تتداخل الضغوط الاقتصادية سريعاً مع السياسة، خصوصاً حين تصل آثارها مباشرة إلى أسعار الوقود والغذاء وفرص العمل، بما قد ينعكس على استقرار الحكومات وخيارات الناخبين.
وتجاوز الصراع الدائر ميدان المواجهة العسكرية، وباتت كلفته الاقتصادية تضغط على جيل أفريقي شاب يعاني أصلاً الغلاء والبطالة وتراجع القدرة الشرائية. انكماش اقتصادي وبنزين يرتفع سعره وسلع أساسية تلتهم القدرة الشرائية لعائلات كانت أصلاً على الحافة. وأصبح السؤال: إلى أي حد يمكن أن تتحول هذه الضغوط الاقتصادية إلى وقود لموجة جديدة من غضب جيل زد في القارة؟
التوقيت قاتل
الحرب الإيرانية جاءت في توقيت قاتل؛ فبينما كانت دول أفريقيا جنوب الصحراء في طور جني ثمار استقرار نسبي بعد سنوات من أزمات جائحة كوفيد والحرب الأوكرانية، إذ سجلت نمواً هو الأسرع منذ عقد بنسبة 4.5% في عام 2025، جاءت تداعيات هرمز لتعصف بجزء من هذا التعافي.
صندوق النقد الدولي خفض توقعات النمو الإقليمي لأفريقيا جنوب الصحراء إلى 4.3% لعام 2026، بعدما كانت توقعاته قبل الحرب أعلى بنحو 0.3 نقطة مئوية، والتضخم المتوسط مرشح للقفز من 3.4% إلى 5% بنهاية العام. وفي أحدث تقديراته في تموز/يوليو، أبقى الصندوق توقع النمو عند 4.3%، محذراً من تأثير ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة في اقتصادات المنطقة.
إضافة إلى ما سبق، كان برنامج الأغذية العالمي قد حذّر قبل اندلاع الحرب من أن 55 مليون شخص في غرب أفريقيا ووسطها مهددون بمستويات حرجة من الجوع هذا العام، ورغم أن الحرب لم تخلق هذه الأزمة، لكنها تضخّمها.
ثلاثة مسارات للصدمة
وتصل هذه الصدمة إلى أفريقيا عبر 3 مسارات رئيسية، أولها ارتفاع أسعار النفط والغذاء مباشرة نتيجة اضطراب هرمز. وثانيها انكماش تحويلات المغتربين، فأكثر من 3.6 ملايين أفريقي يعملون في منطقة الخليج، يُرسلون نحو 23 مليار دولار سنوياً إلى عائلاتهم في مصر وإثيوبيا وكينيا والسودان وغيرها. ومع تصاعد البطالة في منطقة الحرب، هذا المورد الحيوي بدأ يتراجع.
أما ثالث المسارات فيتمثل في الاستثمارات الخليجية في أفريقيا، إذ يثير استمرار الحرب تساؤلات حيال وتيرة تدفق رؤوس الأموال الجديدة إذا اضطرت دول الخليج إلى توجيه مزيد من الموارد إلى احتياجاتها الداخلية.
وتضاف إلى ذلك كلفة أخرى لا تقل أهمية تتمثل في ارتفاع أسعار الأسمدة والشحن والطاقة، وهي عوامل تنتقل سريعاً إلى أسعار الغذاء والإنتاج في دول تعتمد بدرجات متفاوتة على الاستيراد.
وفي ظل هذه المعطيات، يواجه المواطن الأفريقي اليوم حقيقة قاسية عند مضخات الوقود ورفوف السوبر ماركت: تضخم يزحف نحو أرقام مزدوجة، وعجز مالي يتسع، وعملات محلية تترنح أمام الدولار. فهل ستكون هذه الضغوط المعيشية هي الشرارة التي تشعل موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية؟

صبر الشعوب بدأ ينفد
المتتبع لأحوال القارة لا تخطئ عيناه الشواهد الأولية؛ فمن مقديشو حيث يغلق سائقو “التوك توك” الطرق احتجاجاً على أسعار الوقود، إلى نيروبي التي شهدت احتجاجات شبابية دامية لجيل زد، يبدو أن صبر الشعوب بدأ في النفاد. والتاريخ يعلمنا أن صدمات الأسعار في أفريقيا هي دائماً مقدمة لعدم الاستقرار السياسي، والدليل ما حدث في السبعينيات والثمانينيات.
ولا تبدأ هذه الظاهرة مع الحرب الإيرانية. فقد أظهرت احتجاجات جيل زد في كينيا منذ عام 2024 قدرة جيل شاب على التنظيم خارج الأطر الحزبية التقليدية والنزول إلى الشارع تحت ضغط الضرائب والبطالة وكلفة المعيشة، قبل أن تتجدد الاحتجاجات في 2026.
اقرأ أيضا: أغاني المسلسلات حققت نجاحها، من هي سمر طارق التي تحيي حفل مهرجان القلعة اليوم؟
ورغم أن المناخ الاجتماعي الذي وصفه إيفور إيتشيكويتز، الصناعي الجنوب أفريقي الذي يموّل استطلاع الشباب الأفريقي، بأنه “نقطة تحول متقلبة وخطيرة”، ليس وليد اليوم، فإن الحرب في إيران تضيف إلى هذا المناخ وقوداً جديداً يوماً بعد يوم.
والأمر الأكثر تعقيداً هو تأثير هذه الحرب على “صناديق الاقتراع”، ففي دول مثل نيجيريا وكينيا، يمكن أن تتحول أسعار الخبز والوقود والأسمدة وكلفة المعيشة إلى عوامل أكثر حضوراً في خيارات الناخبين. أما في زامبيا التي أجرت انتخاباتها في 13 آب/أغسطس، فقد حضرت كلفة المعيشة بالفعل كإحدى القضايا الأساسية في السباق الانتخابي، رغم تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية الكلية.
وفي نيجيريا، تكشف الصورة المفارقة نفسها. فبينما تحسنت بعض المؤشرات المالية وثقة المستثمرين، بقيت أزمة كلفة المعيشة والارتفاع الكبير في أسعار الغذاء والوقود في صدارة هموم المواطنين مع اقتراب الاستحقاقات السياسية المقبلة.
ورغم انتعاش الخزينة في بعض الدول من ارتفاع أسعار النفط كنيجيريا على سبيل المثال، إلا أن المواطن يكتوي بنيران الغلاء.
وكلما استمر الصراع ستجد الدول الأفريقية التي كانت في أو على حافة ضائقة الديون في مطلع العام، نفسها أمام معادلة صعبة: تمويل أغلى وعجز أوسع وشعب أكثر ضيقاً.
صندوق النقد الدولي لمح في تقريره “آفاق الاقتصاد الإقليمي لأفريقيا جنوب الصحراء” إلى أن “مخاطر سياسية وأمنية داخلية قد تتصاعد، خاصة في مواسم الانتخابات”. عبارة ديبلوماسية ومحايدة لكنها تؤكد أن الحكومات التي لا تستطيع التوضيح لمواطنيها لماذا ارتفع سعر الخبز وانخفض الراتب، ستجد نفسها أمام احتجاجات لن تهدأ بسهولة.
جيل زد الأفريقي قد لا يحتاج إلى دافع أيديولوجي كي ينزل إلى الشارع. قد تكفيه فاتورة يعجز عن دفعها. والمفارقة أن هذه الفاتورة، بسبب حرب لا صلة له بها، آخذة في الارتفاع.
اقرأ أيضا: مسار وطني لتعزيز مشاركة المصريين بالخارج في الشأن العام
