نيابةً عنّا… هل يهمّش الذكاء الاصطناعي الوجود البشري في فضاء الإنترنت؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

في العمل والدراسة وحتى العلاقات العاطفية، أصبحنا نعتمد بشكل متزايد على روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي. لكن ماذا يحدث عندما تبدأ هذه الروبوتات بالتحدث بعضها مع بعض، من دون أن يكون للإنسان دور مباشر في الحوار؟

اقرأ أيضا: تصعيد إسرائيلي تركي في سوريا… واشنطن تحذر من مواجهة

“حلقة الروبوتات”


تتغير طريقة التقديم إلى الوظائف بسرعة. فبدلاً من كتابة السيرة الذاتية ورسالة التغطية ثم انتظار أن يقرأها موظف بشري، باتت شركات كثيرة تستخدم أنظمة آلية لفرز آلاف الطلبات.

وفي مجال التعليم، يستخدم الطلاب شات جي بي تي لكتابة الأبحاث، بينما يستعين الأساتذة بأدوات الذكاء الاصطناعي لتصحيحها.

وفي العمل، يرسل الموظفون رسائل طويلة مولدة بالذكاء الاصطناعي إلى زملائهم، الذين يردّون بدورهم برسائل أنشأتها روبوتات الدردشة.

ومع توسع هذا الاتجاه، عرض تقرير لمجلة “نيويورك تايمز”، ظهور فكرة جديدة يمكن وصفها بـ”حلقة الروبوتات”، حيث يتولى الذكاء الاصطناعي الدور الذي كان يؤديه الإنسان. وهنا قد يتبادل نظامان للذكاء الاصطناعي الرسائل والقرارات بشكل متكرر، من دون تدخل بشري مباشر.

تعبيرية (وكالات)

إنترنت قد يصبح فيه البشر أقلية

ترتبط هذه الفكرة بما يُعرف بـ”نظرية الإنترنت الميت”، التي تفترض أن الجزء الأكبر من حركة الإنترنت قد يصبح مستقبلاً ناتجاً عن البرمجيات، فيما يتحوّل البشر إلى أقلية من الأصوات الموجودة على الشبكة.

لكن “حلقة الروبوتات” تضيف بعداً جديداً إلى هذه الفكرة: ليس فقط أن الذكاء الاصطناعي ينتج المحتوى، بل إنه قد يتولى أيضاً التفاعل مع ذكاء اصطناعي آخر نيابة عن البشر.

وقد يبدو ذلك مفيداً في بعض الحالات. تخيل مثلاً أن أنبوباً ينفجر في منزلك وتحتاج إلى سبّاك على نحو عاجل. بدلاً من الاتصال بعشرة سباكين للاستفسار عن الأسعار والمواعيد، يمكن لمساعد رقمي شخصي أن يتولى الاتصالات وحجز الموعد نيابة عنك.

لكن ماذا يحدث عندما يستخدم السباكون أنفسهم وكلاء ذكاء اصطناعي لاستقبال هذه الطلبات والرد عليها؟ نصل عندها إلى حلقة يتحدث فيها وكيل ذكاء اصطناعي مع وكيل آخر، بينما يبتعد البشر تدريجاً عن التفاعل نفسه.

 

يحاكي الإنسان

يرى الباحثون أن الذكاء الاصطناعي يختلف عن تقنيات الاتصال السابقة. فالبريد الإلكتروني، مثلاً، ينقل الرسائل بين البشر، بينما تحاول روبوتات الدردشة محاكاة البشر، وقد تحلّ محلهم في بعض الحالات.

وأصبح بإمكان الأشخاص اليوم طلب المشورة المالية أو الطبّية من روبوتات الدردشة، أو اللجوء إليها للحصول على الرفقة، بدلاً من التحدث إلى شخص آخر.

وبدأت تظهر توائم رقمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي تتحدث نيابة عن أصحابها. ومن هنا يبرز احتمال أن تتفاعل التوائم الرقمية للأشخاص بعضها مع بعض، بدلاً من أن يتحدث أصحابها مباشرة.

هذه السيناريوهات ليست مجرد توقعات مستقبلية، بل بدأت تظهر بالفعل.

رصد باحثون، وفقاً لتقرير المجلة، حالات يستخدم فيها طلاب الذكاء الاصطناعي لإنجاز أعمالهم، ثم تقوم أنظمة ذكاء اصطناعي أخرى تابعة للجامعات بتقييمها. ولجأ بعض العملاء إلى وكلاء صوتيين مدعومين بالذكاء الاصطناعي للتفاوض مع أنظمة خدمة العملاء التي تعمل بدورها بالذكاء الاصطناعي.

وفي عالم المواعدة، استخدم أحد الأشخاص روبوت دردشة لصياغة رسائله إلى امرأة عبر تطبيق للمواعدة، قبل أن يكتشف أنها ربما كانت تفعل الشيء نفسه.

اقرأ أيضا: مؤتمر أدباء وسط الصعيد يعزز الحراك الإبداعي بالوادي الجديد ويبرز ثراءها الثقافي

وفي النهاية كتب لها: “إلى متى سنظل نتحدث إلى شات جي بي تي عبر بعضنا؟” لكنه لم يحصل على أيّ رد.

فراغ وأخطاء..

يعترف كثير ممن اختبروا هذه التفاعلات بأنها تترك شعوراً بالفراغ. فالروبوتات قادرة على إنتاج كمّيات هائلة من النصوص تبدو مقنعة للوهلة الأولى، لكن عندما يبدأ روبوتان بالتحدث معاً، قد يستمران في إنتاج حوار طويل ومنظم، من دون الفضول أو التعاطف أو الخبرة الحياتية التي تمنح المحادثة البشرية معناها.

وهناك مشكلة أخرى أكثر خطورة: الأخطاء. عندما يتفاعل نظامان للذكاء الاصطناعي، وخصوصاً إن كانا يعتمدان على نماذج لغوية كبيرة متشابهة، فقد يفشل كل منهما في اكتشاف أخطاء الآخر، بل قد يؤدي الخطأ الأول إلى سلسلة من الأخطاء المتراكمة.

أي إن الخطأ لا يتوقف عند مصدره، بل يمكن أن ينتقل من نظام إلى آخر ويتضخم مع كل مرحلة.

السيناريو الأكثر ترجيحاً

تخيّل نظاماً للذكاء الاصطناعي مسؤولاً عن تحليل صور الأشعة للكشف عن الكسور. يرسل النظام النتيجة إلى نظام آخر يحدد الغرف المناسبة للمرضى، ثم إلى نظام ثالث يقرر أولوية العلاج.

إن كان التشخيص الأول خاطئاً ولم يخضع لمراجعة بشرية، فقد ينتقل الخطأ عبر السلسلة بأكملها، ليؤثر في المريض والطبيب والمستشفى.

وهذا يوضح أن الاعتماد على سلسلة من أنظمة الذكاء الاصطناعي قد يجعل اكتشاف الأخطاء وتصحيحها أكثر صعوبة.

لا تقتصر المخاوف على الأخطاء أو انتشار المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي. فمع الاعتياد على سلاسة المحادثات بين الأنظمة، قد يفقد البشر تدريجاً قدرتهم على تقبّل طبيعة العلاقات الإنسانية.

فالمحادثات البشرية مليئة بالتردّد وسوء الفهم والاختلاف والاحتكاك، وهي عناصر قد تبدو مزعجة أحياناً، لكنها جزء أساسي من بناء العلاقات.

أما التفاعل مع الذكاء الاصطناعي فيمكن أن يكون أكثر سهولة وسلاسة، ما يثير مخاوف من أن يجعلنا ذلك أقلّ استعداداً للتعامل مع التعقيد الذي يميّز العلاقات البشرية.

والسيناريو الأكثر ترجيحاً قد يكون أبسط وأكثر عمقاً: أن تتراجع نسبة التفاعلات المباشرة بين البشر، بينما تزداد المحادثات بين أنظمة الذكاء الاصطناعي.

وبمرور الوقت، قد يصبح الصوت البشري على الطرف الآخر من الهاتف أمراً نادراً، وربما خدمة مدفوعة إضافية.

اقرأ أيضا: المناهج اللبنانية الجديدة والذكاء الاصطناعي… من الحفظ إلى بناء الكفايات

‫0 تعليق

اترك تعليقاً