iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}
مروة البرغش – سوريا
اقرأ أيضا: الإسكان تجهز لطرح شقق سكن لكل المصريين، اعرف التفاصيل
في الكنيسة، قد تبدو الأيقونة للوهلة الأولى لوحة دينية معلّقة على جدار. لكن الوقوف أمامها يكشف شيئاً آخر: وجوه صامتة، ألوان وذهب، رموز وخطوط، تحمل في تفاصيلها رواية دينية كاملة. إنها ليست صورة فحسب، بل لغة بصرية ارتبطت عبر قرون بالصلاة والتأمل وتكريم المسيح والعذراء والقديسين.
في سوريا، تعود شواهد استخدام الصور المسيحية في أماكن العبادة إلى القرون الأولى للمسيحية. ففي مدينة دورا أوروبوس شرق البلاد، عُثر على مبنى أعيد تهيئته للعبادة المسيحية نحو عام 232 ميلادياً، وفي غرفة المعمودية فيه رسوم مسيحية، بينها تصوير للمسيح في هيئة الراعي الصالح ومشاهد من العهد الجديد. وتُعد هذه الرسوم من أقدم الشواهد المعروفة عن الفن المسيحي التصويري، وإن كان توصيف المبنى باعتباره “كنيسة منزلية” لا يزال موضع نقاش بين الباحثين.
لكن الطريق من تلك الرسوم المبكرة إلى الأيقونة البيزنطية كان طويلاً؛ طريق تشكلت خلاله قواعد الصورة المقدسة، ورمزيتها، وتقنياتها، وصولاً إلى مدارس فنية حملت ملامح المناطق التي احتضنتها.
موهبة بدأت في العاشرة
لم يكن أيمن بيطار يعرف شيئاً عن هذا التاريخ عندما بدأت علاقته بالأيقونة. كان في العاشرة من عمره، من سؤال بسيط لم يفارقه: لماذا يقف الناس أمام هذه الصور ويصلّون؟ يستعيد بيطار تلك اللحظة “شوف العالم عم تروح عالكنيسة عم يصلوا للأيقونة، صار عندي فضول أعرف الأيقونة شو هيي؟”.
كان السؤال بداية طريق لم يكن يعرف إلى أين سيقوده؟
بدأ بيطار محاولاته الأولى في الرسم، ولا يزال يحتفظ، بحسب روايته، بأول عمل أنجزه بالألوان الزيتية. التحق بدورة استمرت أربع سنوات في مركز صبحي شعيب، ثم حاول دخول كلية الفنون الجميلة في دمشق، لكن محاولته لم تنجح، فاتجه إلى دراسة الرياضة في المعهد الرياضي.
كان يمكن أن تنتهي القصة عند هذا الحد، لولا شخص آخر رأى في تلك المحاولات موهبة تستحق أن تتحول إلى اختصاص.
موهبة اكتشفها مطران… فكان الطريق إلى اليونان
في حمص، كان المطران ألكسي عبد الكريم يتابع أعمال بيطار ولوحاته، ويشجعه على التخصص في هذا المجال.
في ذلك الوقت، كان بعض الكنائس السورية يستعين بفنانين من اليونان ورومانيا لتنفيذ أعمال الأيقونات، فيما كان عدد المتخصصين في هذا الفن داخل سوريا ولبنان محدوداً. لذلك جاءت الخطوة التي غيّرت مسار حياة بيطار: في عام 1989، أرسله المطران إلى اليونان للتخصص في كتابة الأيقونة.
هناك، لم يكتف بالدراسة، بل عمل لتأمين تكاليفها. وفي الجامعة، لفتت أعماله أحد أساتذته الذي طلب منه العمل معه في الكنائس، واستمر التعاون سبع سنوات. كانت تلك السنوات، بحسب بيطار، المدرسة العملية التي أتاحت له أن يتعلم الأيقونة لا من الكتب وحدها، بل من الخشب والجدار واللون وممارسة العمل داخل الكنيسة. منذ ذلك الحين، لم تعد الأيقونة هواية عابرة، أصبحت مهنة وإرثاً يحاول أن يحمله إلى الجيل التالي.
ليست لوحة… بل لغة
في التقليد المسيحي الشرقي، تشير كلمة “أيقونة” إلى الصورة المقدسة التي تمثل المسيح أو العذراء أو القديسين، أو تصور مشهداً من الرواية الدينية. والكلمة مشتقة من اليونانية “eikōn”، بمعنى الصورة أو التمثال/الشبه.
يصرّ بيطار على استخدام تعبير “كتابة الأيقونة” بدلاً من “رسمها”. فالفنان، في هذا التقليد، لا يبدأ من خياله وحده، ولا يتعامل مع الشخصية المقدسة باعتبارها موضوعاً فنياً مفتوحاً لكل الاحتمالات. هناك مرجعيات وقواعد ورموز وتكوينات وألوان تحمل دلالاتها.
يقول:”الأيقونة لوحة دينية روحانية نصور فيها المسيح والعذراء والقديسين وحياة المسيح بالإنجيل، برموز معينة كي تكون جسراً للمصلي والتأمل”.
ولهذا ارتبطت الأيقونة في التقليد المسيحي الشرقي بالصلاة والتكريم والتأمل. فالجدل التاريخي الطويل حولها لم يكن متعلقاً بجمال الصورة وحده، بل بالسؤال عن العلاقة بين الصورة والشخص المقدس الذي تمثله.
ومن هنا تأتي مسألة كثيراً ما يُساء فهمها: الأيقونة لا تُعبد. في التقليد الأرثوذكسي، لا يتوجه التكريم إلى الخشب أو اللون لذاتهما، بل إلى الشخصية المقدسة التي تمثلها الصورة، فيما تبقى العبادة لله وحده.
بالنسبة إلى بيطار، الأيقونة وسيلة للتأمل والصلاة، “جسر بين العبد والرب”، لا غاية في ذاتها. ويضيف أن المؤمن عندما يقف أمام الأيقونة لا يتوجه إلى المادة نفسها، وإنما تستحضره الصورة إلى الشخصية المقدسة التي تمثلها، لتكون جزءاً من تجربته الروحية داخل الكنيسة.

من العالم البيزنطي إلى ملامح محلية
يرتبط فن الأيقونة ارتباطاً وثيقاً بالتقليد البيزنطي، لكن انتقاله بين المراكز المسيحية المختلفة في الشرق لم ينتج نمطاً واحداً متطابقاً في كل مكان. ومع مرور الزمن، ظهرت اختلافات محلية في الأسلوب والتكوين والألوان والزخارف والملامح، مع بقاء الموضوعات الدينية والقواعد الأساسية للإيقونوغرافيا حاضرة.
وكانت سوريا جزءاً من هذا العالم المسيحي والبيزنطي منذ قرون مبكرة.
لكن بيطار يرى أن انتقال هذا الإرث إلى سوريا لم يكن مجرد نقل لنموذج يوناني كما هو، بل نشأت داخل المنطقة مدارس وأساليب حملت ملامح بيئاتها المحلية.
ويقول: “المنبع للأيقونات البيزنطية هو اليونان، لكن كل مدرسة أخذت من هذا الإرث واشتغلت بحسب تقاليدها. الأيقونة الروسية والأيقونة القبطية وغيرهما، كل واحدة صار لها أسلوبها، والاختلاف يظهر بالخطوط والألوان والتعابير”.
وفي سوريا، يميز بين تجارب ومدارس عدة، ويشير خصوصاً إلى المدرسة الحلبية بوصفها الأبرز، إلى جانب المدرسة الحمصية والمدرسة القدسية، ويرى أن لكل منها سمات في طريقة معالجة الخطوط والألوان والتعبير.

حلب… حضور في تاريخ الأيقونة
تحتل حلب مكانةً مهمة في تاريخ الأيقونة المشرقية، وتوجد أعمال محفوظة في المتاحف الدولية تربط بعض الأيقونات مباشرة بالمنطقة.
فالمتحف البريطاني، مثلا، يحتفظ بأيقونة يرجح أنها من فنان من القرن السابع عشر كان ينشط في مناطق نفوذ البطريركيات المسيحية الشرقية، ويربطها المتحف بمدينة حلب ومدرستها الفنية. وتتميز بخصائص تجمع بين عناصر كريتية وكتابات باليونانية والعربية وحدود زخرفية مرتبطة بمدرسة حلب.
كذلك يحتفظ بأيقونة صنعت في حلب عام 1998، مرتبطة بالمجتمع المسيحي الأرثوذكسي فيها، وتحمل كتابات بالسريانية. وهذه القطعة لا تثبت وحدها استمرارية المدرسة الحلبية التاريخية بالمعنى الفني، لكنها توثق استمرار صناعة الأيقونة في البيئة المسيحية الحلبية إلى العصر الحديث.
اقرأ أيضا: تراجع الذهب عن أعلى مستوى في شهرين وسط توقعات أسعار الفائدة
من الأرض إلى الأيقونة
خلف الصورة التي تبدو بسيطة للعين، عملية طويلة ودقيقة.
في الأيقونات الخشبية التقليدية، يُحضّر السطح بطبقات تأسيسية، ثم يُصقل بعناية قبل أن يبدأ التخطيط. ويستخدم الفنانون تقنيات مثل تمبرا البيض، التي تعتمد صفار البيض وسيطاً لربط الأصباغ، إلى جانب الجسو والذهب، وهي تقنيات توارثها هذا الفن عبر أجيال.
بالنسبة إلى بيطار، ليست هذه التفاصيل مجرد تقنيات قديمة، بل جزء من هوية الأيقونة نفسها. ولذلك يكرر ضرورة إنشاء مدارس ومعاهد تحفظ هذه المعرفة وتمنحها فرصة الانتقال إلى فنانين جدد. يكرر قائلاً: “المفروض نحافظ عليها ونعمل معاهد ومدارس لنعلمها للأجيال”.
الأربعون شهيداً… قصة استشهاد داخل أيقونة
من الأعمال التي يحتفظ لها بيطار بمكانة خاصة أيقونة الأربعين شهيداً في حمص. حاول من خلالها تحويل قصة الشهداء إلى مشهد بصري، بحيث لا تبقى الرواية الدينية محصورةً بالنص، بل تصبح قابلة للقراءة بالعين أيضاً.
يقول إنه حاول من خلالها تقديم تصور بصري لشهداء القصة وطريقة استشهادهم، ويصف العمل بأنه النسخة الأولى من هذا التكوين ولا مثيل لها في العالم.
وهذه المعلومة الأخيرة تبقى، في هذه المادة، نسبة إلى بيطار، إذ لا يتوافر هنا توثيق مستقل يسمح بالجزم بأن العمل هو النسخة الأولى والوحيدة عالمياً.
لكن قيمة الأيقونة لا تتوقف على كونها “الأولى” أو “الوحيدة”. فواحدة من وظائفها الأساسية هي تحويل الرواية الدينية إلى لغة بصرية، تمنح المؤمن فرصة أخرى لقراءة القصة والتأمل فيها.
من سيكتب الأيقونة غداً؟
خلال مسيرته، عمل بيطار في سوريا ولبنان والولايات المتحدة وألمانيا، ويوضح أن ظروف تمويل مشاريع الأيقونات تختلف من بلد إلى آخر. ففي سوريا، بحسب تجربته، يرتبط تنفيذ بعض الأعمال بوجود متبرع أو جهة قادرة على تمويل المشروع.
“بسوريا ننطر المتبرع لحتى نشتغل”، يقول.
لكن المشكلة، في نظره، لا تتوقف عند التمويل. فالأيقونة تحتاج إلى سنوات من الدراسة والتدريب والممارسة، وما لم تتوافر للفنان فرص التعلم والعمل، فإن المعرفة نفسها تصبح مهددة بالانقطاع.
لهذا يحاول بيطار العمل على إنشاء معهد متخصص في سوريا لتعليم كتابة الأيقونة.
فالسؤال الذي بدأ معه وهو طفل في العاشرة تغيّر بعد أكثر من أربعة عقود، وأصبح اليوم من سيحمل هذه المعرفة عندما تتعب أيدي الذين كتبوها؟
من دورا أوروبوس ورسومها المسيحية الأولى، إلى الأيقونة البيزنطية ومدارس حلب وحمص، تبدو سوريا جزءاً من تاريخ طويل للصورة المقدسة. لكن بقاء هذا التاريخ لا يتوقف على حفظ الأيقونات القديمة داخل الكنائس والمتاحف فحسب، بل على استمرار اليد التي تعرف كيف تصنعها، والعين التي تفهم رموزها، والعقل الذي يعرف لماذا كُتبت بهذه الطريقة.
اقرأ أيضا: الأيقونة في المسيحية الشرقية… لاهوتٌ مكتوب بالألوان
