iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}
أن تدخل إلى كنيسة شرقية يعني أن تجد نفسك تحت أنظار مئات العيون الهادئة والمضيئة. إنها الأيقونات، الوعاء المُشعّ بالحضور المقدّس، والنافذة التي تُطلّ منها السماء على الأرض. ولفظة “أيقونة” مشتقّة من اليونانية eikon، أي “الصورة” أو “الشَّبَه”. وفي اللاهوت المسيحي، ولا سيما ضمن التقليدين الأرثوذكسي والكاثوليكي الشرقي، تتجاوز الأيقونة الفنّ الديني، وتكتسب صفة الأداة الليتورجية، واللاهوت المكتوب بالألوان، والنافذة التي تلتقي عبرها السماء بالأرض.
اقرأ أيضا: الأيقونة… نافذة على السماء
ما هي الأيقونة المسيحية؟
اكتسبت الأيقونة في الكنيسة معنى خاصاً، كما يشرح الباحث في الأيقونغرافيا الأب أثناسيوس شهوان، فهي الصورة المقدّسة التي تمثّل حدثاً إنجيلياً أو حدثاً من الكتاب المقدّس، أو شخصية مقدّسة، بدءاً بالرب يسوع المسيح ووالدة الإله مريم العذراء، وصولاً إلى الأنبياء والرسل والقديسين، فضلاً عن الأحداث الإنجيلية والعجائب.
وقد احتُفظ في العربية بتسمية “أيقونة”، يقول الأب شهوان لـ”النهار”، بدلاً من ترجمتها إلى “صورة”، لإعطائها طابعها الكنسي الخاص وتمييزها عن الصورة العادية بالمعنى المتداول. ويشرح أنّ أول حضور لمفهوم الأيقونة نجده في سفر التكوين، عندما قال الله: “نصنع الإنسان على صورتنا”. كلمة “صورتنا” هنا تحمل معنى Eikon. ومن هذا المنطلق “يمكن القول إنّ الإنسان نفسه هو الأيقونة الأولى”، وفق الأب شهوان، “وفي القراءة المسيحية، الرب يسوع المسيح، الذي سيتجسّد لاحقاً، هو الصورة الكاملة التي خُلق الإنسان على مثالها؛ أي إنّ وجه الإنسان، أياً تكن جنسيته أو هويته، يحمل هذه الصورة. لذلك، حين ننظر مثلاً إلى أيقونة خلق آدم، نجد غالباً أنّ ملامح آدم تقترب من ملامح المسيح، في دلالة لاهوتية واضحة”.
الأساس التجسّدي
يستند وجود الأيقونة المقدّسة برمّته إلى عقيدة التجسّد الأساسية، أي الإيمان بأنّ الله اتخذ جسداً بشرياً مادياً في يسوع المسيح. ففي العهد القديم، سادت المحظورات الصارمة على صنع الصور المنحوتة، لأنّ الجوهر الإلهي كان غير منظور ولا يمكن حصره أو الإحاطة به. غير أنّ العهد الجديد أحدث تحوّلاً في هذا التصوّر. فكما يكتب القديس بولس في رسالته إلى أهل كولوسي، المسيح هو “صورة [eikon] الله غير المنظور”.

ترسّخ هذا الدفاع اللاهوتي خلال الجدل العنيف حول تحطيم الأيقونات في القرنين الثامن والتاسع، حين سعى أباطرة بيزنطيون إلى تدمير جميع الصور المقدّسة. وصاغ القديس يوحنا الدمشقي (نحو 676 – 749م)، أحد أبرز المدافعين عن الأيقونات، ذلك التحوّل الميتافيزيقي الذي أنقذ التقليد الأيقونوغرافي، قائلاً: “أنا لا أبجّل المادة، بل أبجّل صانع المادة، الذي صار مادةً من أجلي وقَبِل أن يسكن في المادة، والذي حقّق خلاصي بواسطة المادة”.
وقد ثبّت المجمع المسكوني السابع (نيقية الثاني، 787م) رسمياً هذا التمييز. إذ أقرّ المجمع بأنّ الأيقونات تستحق التبجيل القائم على التكريم والاحترام، والمعبَّر عنه بالانحناء أو التقبيل، في حين أنّ العبادة والسجود الحقيقيان لا يستحقّهما إلا الله وحده. فالتكريم الموجَّه إلى الصورة ينتقل مباشرةً إلى الأصل الذي تمثّله.
من أين تستمد الأيقونة جوهرها؟
المرجع الأساسي هو الإنجيل والكتاب المقدّس، إضافة إلى سير القديسين والتقليد الكنسي. والأيقونة ليست عملاً يقوم على المخيّلة الحرة للفنان كما في أنواع أخرى من الفنون، بل تنطلق من مرجع إيماني واضح.
كذلك، لا يُنظر في التقليد إلى مَن يرسم الأيقونة أو يكتبها بوصفه فناناً فقط، بل شخصاً يدخل في مسار روحي. لذلك ارتبطت الأيقونوغرافيا تاريخياً بالأديار والرهبان، وكان مَن يعمل على الأيقونة يستعدّ لها بالصوم والصلاة وممارسات روحية أخرى.
لغة الرموز في الأيقونة
يُقال تقليدياً إنّ الأيقونات “تُكتب” بدلاً من أن “تُرسم”، في تعبير يؤكّد دورها بوصفها عقيدة نصية متجسّدة بصرياً. فما يعلنه الكتاب المقدّس بالصوت للأذن، تعلنه الأيقونة بصمت للعين. وكلّ خط ولون وخيار هندسي فيها يعمل ضمن معجم لاهوتي صارم.
يعتمد فن عصر النهضة الغربي عادةً المنظور الخطي، حيث تتراجع الخطوط المتعامدة نحو نقطة تلاشي عميقة داخل اللوحة، جاذبةً المشاهد إلى الداخل بوصفه مراقباً. أما الأيقونات فتعكس هذه الهندسة المكانية. ففي المنظور المعكوس، أو المقلوب، تتلاقى خطوط المنظور أمام الأيقونة، في الموضع الذي يقف فيه المؤمن. وهكذا، لا يكون المشاهد هو الذي ينظر إلى الأيقونة فحسب؛ بل تنفتح الأيقونة نحو الخارج، واضعةً الإنسان أمام نظر الله.
ما دلالات الألوان في الأيقونة؟
ترمز أوراق الذهب إلى النور الإلهي غير المخلوق والأبدي، نور ملكوت الله حيث لا وجود للظلال. وللألوان رمزية واسعة، وقد تطورت هذه الرمزية عبر التاريخ. ومن المراجع التي يُستند إليها في الحديث عنها الكتابات المنسوبة إلى ديونيسيوس الأريوباغي.

الأحمر، مثلاً، إذا كان فاتحاً وقريباً من لون الدم، يرمز إلى الحياة والاستشهاد. أما الأحمر القرمزي أو الأرجواني فيحمل دلالة الملوكية. لذلك قد نراه في ثياب المسيح أو والدة الإله.
الأزرق الداكن قد يشير إلى السمو والسماء، كما يرتبط أيضاً بالخليقة والبشرية. ومن هنا يأتي تفسير شائع لألوان ثياب المسيح ووالدة الإله: يظهر المسيح أحياناً بثوب داخلي أرجواني أو أحمر، وفوقه الأزرق، للدلالة على أنه إله اتخذ الطبيعة البشرية. أما والدة الإله، وهي إنسانة، فقد تُرسم بالأزرق في الداخل وبالأرجواني أو الأحمر في الخارج، في إشارة إلى أنها تلحّفت بالقداسة والنعمة الإلهية.
في المقابل، يقول يؤكّد الأب شهوان أنّ هذه القواعد ليست جامدة. ففي أيقونات قديمة لوالدة الإله، ومنها ما في آيا صوفيا أو في أيقونات ترقى إلى القرون الأولى، نجد ألواناً مختلفة، كالأزرق الداكن أو البني. لذلك لا يجوز التعامل مع رمزية الألوان كقانون آلي لا يقبل الاستثناء.
عموماً، الأسود يدلّ على الموت، والبني على النسك، والأخضر على الحياة الجديدة، والذهبي على النور الإلهي والألوهة، والأبيض على النقاوة والطهارة. وفي أيقونة نزول المسيح إلى الجحيم، التي هي أيقونة القيامة في التقليد الشرقي، نراه أحياناً باللون الأبيض، كما يظهر آدم أيضاً بثوب أبيض.
اقرأ أيضا: عصابة الجنوط تكشف المستور، اعترافات مثيرة للمتهمين بسرقة 8 سيارات في البساتين
تبقى الأيقونة غير مباركة وغير مكتملة حتى تحمل هويتها النصية. فالكتابة تربط الصورة المرئية بأصلها التاريخي. وتحمل هالة المسيح عادةً الأحرف اليونانية Ω Ο Ν (O On، “الكائن”)، وهو الاسم الإلهي الذي أُعلن لموسى عند العليقة المشتعلة، ويحيط بها الاختصار اليوناني IC XC، أي يسوع المسيح. أما العذراء مريم فيُشار إليها بالحرفين MP ΘY، أي “والدة الإله” (Meter Theou).
تشريح التجلّي
يخضع التشريح البشري في الأيقونات لأسلوب مقصود من التنميط، ونادراً ما يُصوَّر القديسون ببنية جسدية عضلية واقعية وطبيعية؛ وإنّما تبدو أجسادهم ممدودة، خفيفة بلا ثقل، وقد صقلها الانضباط الروحي. وتُرسم عيونهم كبيرة ومتّسعة، تعبيراً عن يقظة فائقة تجاه الحقيقة الإلهية؛ ويبرز جزء من آذانهم للدلالة على الإصغاء المتنبّه إلى كلمة الله؛ فيما تُرسم أفواههم صغيرة ورقيقة، في إشارة إلى ضبط شهوات العالم والكلام.
ومن أبرز روائع هذه الهندسة الروحية أيقونة “الثالوث” لأندريه روبليف، التي تعود إلى القرن الخامس عشر. يصوّر روبليف فيها الملائكة الثلاثة الذين زاروا إبراهيم عند بلوطة ممرا (سفر التكوين 18)، ويرتّب الشخصيات ضمن دائرة متّصلة بلا انقطاع. وتقود الحركة الدائرية العين باستمرار بين الآب والابن والروح القدس، فيما تترك مساحة مفتوحة في مقدّمة المائدة، في دعوة رمزية إلى المشاهد للمشاركة في الشركة الإلهية.
وقد لخّص ليونيد أوسبنسكي، الأيقونوغرافي واللاهوتي البارز في القرن العشرين، هذه الرؤية التحويلية، فكتب أن الأيقونة ليست رسماً توضيحياً آلياً للعقيدة، بل «تعبير عن الأرثوذكسية في كليّتها». ومن خلال تقديم الجسد البشري وقد تجلّى بالنور غير المخلوق، تمنح الأيقونة لمحة استباقية عن الغاية المسيحية القصوى: التألّه (theosis)، أي مشاركة الإنسان في الطبيعة الإلهية.
هل تلتزم الأيقونة بالزمان والمكان التاريخيين؟
الأيقونة تتخطّى الجغرافيا والزمن. قد نجد داخل الأيقونة الواحدة أشخاصاً لم يعيشوا في الحقبة نفسها، وقد تفصل بينهم مئات السنين.
يشرح الأب شهوان أنّ “هناك مثلاً أيقونة في دير القديسة كاترينا في سيناء، تعود إلى القرن الثاني عشر، يظهر فيها إشعيا النبي، الذي عاش قروناً قبل المسيح، منحنياً أمام والدة الإله الحاملة المسيح. تاريخياً، لا يمكن أن يكون المشهد قد وقع بهذه الصورة، لكنّ الأيقونة لا تحاول تسجيل لحظة تاريخية فوتوغرافياً. إنها تدخل الحدث في عالم الملكوت، أي في ما نسميه ‘اليوم الثامن’، خارج حدود الزمن”.
كذلك، يقول الأب شهوان، “نرى بولس الرسول في بعض أيقونات الصعود أو العنصرة، مع أنّ بولس، بحسب التسلسل التاريخي، لم يكن من التلاميذ في تلك اللحظة، بل كان لا يزال شاول الذي سيضطهد المسيحيين قبل اهتدائه. لكن إدخاله إلى الأيقونة يشير إلى مكانته اللاحقة رسولاً للأمم”. ويخلص إلى أنّ “هناك رسالة تتجاوز البُعد الفني والتوثيق التاريخي إلى معنى خلاصي يتصل بعمل الله، الذي يتجاوز الزمن والمكان”.
هل يمكن تحويل كلّ آية إنجيلية إلى أيقونة؟
“ليس بالضرورة”، بحسب الأب شهوان، “هناك أحداث وأشخاص لهم تقليد أيقونوغرافي واضح: المسيح، والدة الإله، الأنبياء، الرسل، القديسون، والأحداث الإنجيلية الأساسية؛ لكن ليس كلّ نص أو آية يتحول تلقائياً إلى أيقونة منفصلة”.
ومنذ القرون الأولى، لم يكن المسيحيون يصوّرون المسيح كشخص فحسب، بل كانوا يصوّرون أيضاً معنى الخلاص الذي أتمّه. في سراديب روما، مثلاً، نجد دانيال في جب الأسود، في إشارة إلى أنّ الله الذي خلّص دانيال قادر على خلاص الإنسان. ونجد موسى يضرب الصخرة فيتفجّر منها الماء، ونوحاً، ويونان النبي الذي خرج من جوف الحوت، والفتية الثلاثة في أتون النار وقد أنقذهم الله.
كلّ هذه الصور تحمل رسالة خلاصية؛ “فالغاية”، يقول الأب شهوان، “ليست فقط القول إنّ يسوع تجسّد، بل السؤال أيضاً: ماذا حقق هذا التجسد؟ ماذا جاء المسيح ليفعل من أجل الإنسان؟ وهنا نعود إلى معنى كلمة ‘إنجيل’ نفسها في اليونانية: ‘الخبر السار’. الأيقونة إذاً تحمل خبراً ساراً يدعو الإنسان إلى الصلاة والتوبة والرجاء والنقاوة”.
اقرأ أيضا: المشهد اليمني – مساع حوثية لمصادرة مقر اتحاد الأدباء والكتاب في صنعاء
